You are here

المحاكم الاقتصادية خيار و فقوس

القانوني - Sat, 06/05/2006 - 10:42am
تكرر الدساتير الحديثة قولا مأثورا مفاده أن الناس أمام القانون سواسية. و اعمالا للعدل تنظم قواعد المحاكم و السلطة القضائية و قوانين المرافعات أنواع المحاكم و درجاتها و اختصاصات كل منها.
في مصر نعرف القضاء الطبيعي بشقيه المدني و الجنائي و الذي تتعدد درجاته(محاكم جزئية، ابتدائية، استئناف و أخيرا النقض) بجانبه يقوم القضاء الإداري بفض المنازعات الإدارية في محاكمه( الإدارية، مجلس الدولة، الإدارية العليا) و هناك نظام استثنائي للمحاكم العسكرية.
حديثا علت بعض الأصوات تنادي بانشاء محاكم اقتصادية تختص بفض المنازعات التجارية و منازعات الاستثمار. بطء اجراءات التقاضي و عدم تمرس القضاة و قلة خبرتهم في فهم طبيعة المنازعات التجارية هي حجج تساق لتبرير المطالبة بهذه المحاكم. أثار حكما حديثا لمجلس الدولة- للأسف لم يتح لي الاطلاع عليه- اللغط مجددا حول هذا الأمر.
هناك أمور و اعتبارات بديهية يفترض أن يحيط بها طلبة كلية الحقوق تبدو غائبة في خضم هذا التنازع بين مؤيد و معارض للمحاكم الاقتصادية. من هذه الاعتبارات حسابات الكلفة و الاقتصاد.
لاشك أن التقاضي هو أحد دعائم استقرار النظام و سيادة القانون و شيوع العدل. لذا يتكلف الممول الضريبي –المواطن- الكثير في سبيل انشاء نظام قضائي يجيب حاجة المجتمع ككل إلى فض المنازعات. يحدد المشرع –مجلس الشعب- الهيكل القضائي و القوانين التي تسيره آخذا في الاعتبار تطلعات الشعب و آماله من ناحية، و قدرة الدولة المالية عندما يقرر موازنة الحكومة من ناحية أخرى.
إنشاء المحاكم أمر مكلف و يحمل الخزانة العامة و المواطن كلفة يجب أن ينظر إليها بعين دقيقة للوقوف على مدى توافق الغرض من الصرف مع المصلحة العامة. كلفة إنشاء المحاكم لا تتوقف عند إقامة الأبنية و قاعات التقاضي و لكنها تشمل إعداد القضاة و تدريبهم، تهيأة المحاكم و تجهيزها و تأثيثها و تزويدها بموظفين يجب تدريبهم لمعاونة القضاة.
في ظل أداء اقتصادي صعب كالذي تعيشه مصر يجب أن نفكر بشكل جيد في هذا الأمر و ألا ننساق وراء مطالب رجال الأعمال و الاستثمار دون وعي.
يجب أن نضع في الاعتبار أن الحلول التي يجب طرحها لا تفيد قلة أو فئة على حساب الجميع. إذا يجب أن يكون الحل أشمل و أعم و ذلك بالرغبة و العمل الجدي على إعادة الثقة إلى القضاء لمصلحة الجميع.
فكرة إنشاء محاكم اقتصادية لا تقدم بالضرورة نفعا كما قد يظن البعض. فرنسا مثلا و هي تأخذ بنظام المحاكم التجارية تعاني رغم خبرة قضاة هذه المحاكم من بطء إجراءات التقاضي – تقوم هذه المحاكم على انتخاب قضاة غير مهنيين و إنما أناس من ذوي الخبرة و المعرفة بأغراض التجارة-
فكيف سيكون الحال في مصر و كل ما يحيط بالقضاء يحتاج إلى مراجعة و اصلاح و نظم الانتخاب التي يحدد مسارها العنف و البلطجة! هب أن لدينا محاكم اقتصادية و بعد البت في الحكم يأتي الدور على تنفيذ الحكم لنصطدم بمشكلة تنفيذ الأحكام و هي مهمة صعبة للأسف يتسلح لها الناس في مصر بالمعارف و السلطة بعيدا عن القانون.
فضلا عن ذلك فإن مسألة بطء العملية القضائية أمام المحاكم الاقتصادية لا تبدو محسومة إذ يجب أن ننتظر كما كبيرا من طعون عدم الاختصاص و الجدل حول تكييف التاجر أو العملية بالتجارية و الاقتصادية حتى مع افتراض نص تشريعي صارم و واضح.

أعتقد أن قواعد الاجراءات و المرافعة و تنفيذ الأحكام بحاجة إلى إعادة تنظيم شامل يأخذ في الاعتبار معايير الكفاءة و الكلفة. عمليا في الوقت الحالي لا حاجة لإنشاء محاكم اقتصادية، يجب أن نبدأ؛
أول: باعادة توزيع الاختصاص و تنظيم دوائر مختصة داخل كل محكمة
ثانيا: تأهيل القضاة و تدريبهم بشكل جيد. بل يجب دراسة تكوين مدرسة للقضاة تعتمد الامتحان و التدريب بدلا من وسطات الأهل و المعارف كما هو شائع للالتحاق بالنيابة.
ثالثا: تدريب معاوني القضاة و يفضل أن يكون لهم تكوين قانوني – هناك مدراس لإعداد مساعدين قانونيين مثل مدارس التجارة و الصنائع- هذا يضمن سقفا محددا للخبرة و المعرفة القانونية و يزود المساعد القانوني بالأدوات و الملكات المطلوبة للقيام بمهامه بشكل لائق، مثلا استخدام الكمبيوتر و الانترنت، القدرة على تدوين جلسات المحاكم الكترونيا إدارة الملفات القانونية، المراسلات القانونية و قواعد الاتصال بأطراف التقاضي من قضاة و محامين و أطراف الدعوى.
رابعا: تزويد المحاكم بالأجهزة الحديثة و توفير آليات نشر الأحكام القضائية الكترونيا و اتاحتها مجانا.
خامسا: تفعيل إدارات الجبر و تنفيذ الأحكام تحت إشراف قضائي متخصص و مباشر.
أعتقد أن مثل هذه الخطوات لن تهدر اعتبارات الكلفة و سترفع كفاءة العملية القضائية لخير الجميع من المواطن العادي المطحون إلى رجل الأعمال و المستثمر المزعوم.
وللحديث بقية!