You are here

كلاكيت قديم لاسكندرية

Eskandaranaya - Wed, 10/05/2006 - 1:47am
الزمان: شتاء عام 2005 الساعةُ الحادية عشر مساءاًالمكان: منطقة بمدينة الإسكندرية تسمي: محرم بك أنهيت عملي المسائي مثل كل ليلة ، متوجهاً للمقهى أيضا مثل كل ليلة ، كنتُ راكباً الترام الأصفر (وهو ترام عتيق جدا ويسير ببطء شديد) ، ركبتُ من محطة الرصافة كي أنزل في محطة الشهدا في محطة مصر ، متعباً للغاية أشعرُ أن جسدي سيقع منّي في أي لحظة من الإجهاد ، سانداً رأسي إلي الزجاج أقف علي قدمٍ واحدة وقدمي الأخرى مرتخية ، في محطة جرين، وهي المحطة التي تلي الرصافة مباشرةً تقريباً، طلع إلي الترام رجلٌ عجوز ولكنه يبدو بصحة جيدة يلبس جلباباً فقيراً جداً ولكنه نظيف ومنظاراً طبياً يعطيك انطباعا بأنه كان (مدير عام) سابق بأحدي الهيئات الحكومية وأُحيل علي المعاش ، كان صوته عالٍ ويتكلم مع محصل التذاكر "الكومساري" بحميمية فاستنتجت أنه يعرفه ، وقد كان يضحك مع "الكومساري" بصوت عالٍ أزعج الركاب النائمين ، فركاب هذا الترام دائما تجدهم منهكون للغاية ، سوف تجد دائماً شخصاً نائماً يرتفع صوت "شخيره" تدريجيا وامرأة عجوز تتشح بالسواد ورأسها الصغير ساكناً تماماً علي صدرها بلا حراك ، لن تجد شباباً مرحين يتضاحكون ، بدأ الرجل يلفت الانتباه بصوته العالي وسمته الوقور ، ثم فجأة وبدون أي مقدمات بدأ يغني ..أغنية قديمة لفريد الأطرش لا أتذكرها ولكنها حزينة الإيقاع ذات رتم خلاب ، كان صوته عالٍ جداً وصافٍ ، أسمع عربة الترام كلها لا تستطيع أن تقول أن صوته جميل ولكنه آسر يرغمك علي سماعه ، بدأت الناس تنظر له باستغراب ثم بدأت الابتسامات تتسلل إلي الشفاه مع كلمات الأغنية ، انتهت الأغنية ، فلضمها بأغنية أخري لفريد الأطرش أيضا ، المرة دي كانت أغنية "اشتق تلّك" وواحدة واحدة الابتسامات تحولت لضحك والانفعال الشديد تحول لتصفيق مع الأغنية بدأت بواحد صفق ثم أصبحوا اثنين فثلاثة ، بدأ الحماس يرج الترام وصوت التصفيق جعل المارة في الشارع ينظرون للترام بتعجب وفضول ، الناس كلها اللي في الترام بتصقف مع الأغنية حتى السواق ، الناس كلها بتضحك ، فجأة نسوا همومهم وتعبهم وغنوا ، سابوا نفسهم خالص ، انا نفسي مع كل الإرهاق اللي كنت حاسس بيه إلا إن عدوي الحماس اتنقلتلي وبدات انا كمان اصقف وأضحك ، اليوم ده بجد كان أول مرة أعرف يعني إيه حب الحياة ، أنا كنت باشعر انه مصطلح سخيف والناس مش مرفهة عشان تحس إنها بتحب الحياة بس اليوم ده اكتشفت إن الناس فعلا بتحب الحياة برغم كل حاجة ، نزلت من الترام في محطة الشهدا علي المحطة أول ما نزلت لقيت محل بسيط بيبيع شرايط كاسيت ومشغل أغنية لمنير أنا مش عارف ازاي المصادفة كانت قوية أوي كده ، لأن كانت الأغنية مضبوطة علي حتة أول مانزلت سمعتها "حب لآخر حتة ف قلبك دوب ..ماتخبيش شوقك ولا حبك دوب دووووب" مشيت في شارع النبي دانيال وأنا حاسس إني طاير ، الأرض عبارة عن بساط سحري والعربيات كتل سحابية ناعمة أوي والناس دول ملايكة من نور.حب لآخر حتة ف قلبك دوب ..دوووب"