يعد غياب طويل يطل علينا احمد ناجي بنص جديد، بعد الإعلان عن النص في فيس بوك ، اعتقدت انه نص قصصي أو روائي ، نوفيلا جديدة من أحمد ناجي ، فاسم أحمد مكي لم يثر في ذاكرتي أية أفكار ، و افترضت أن أحمد مكي شخصية خيالية خلقها أحمد ناجي ليخرج من أفعالها بدروس يشرحها لنا لتعم الفائدة.
في مقدمته يكتب أحمد ناجي واصفا العنوان بالساخر ، ليرمي لنا طعما ، ننتظر معه أن يكون المحتوى ساخرا كالعنوان ، و مع السطور الأولى ندرك أننا خدعنا مع أول ورقة في النص ، فالمحتوى "عميق" بالغ الحساسية ، و كأن احند ناجي يشاهد أحمد مكي من خلال فلتر ، ينقي أفعال مكي و يعيدها سيرتها الأولى ، فيظهر بطانة الفلم أو الأغنية الخفي عن الأعين . من خلال أحمد ناجي و قراءته لأحمد مكي تبين لي مستوى ثالث من الوعي في أعمال أحمد مكي ، بعد المستويين اللذين ظننت انهما أوحدين في أعمال احمد مكي ، مستوى الفجاجة و الهزل السمج الذي بالرغم من ذلك يخرج منك الضحكات ، و المستوى الآخر ، ذلك الذي يحطم الهالات حول الرؤوس المقدسة ، بل و يضع لباسا قطنيا متسخا بالمقلوب فوق تلك الرؤوس ، يظهر لي أحمد ناجي ذلك المستوى أو البعد الثالث ، مدققا في رؤيته لأعمال أحمد مكي ، لاويا عنق تلك الأعمال ليظهر أحمد مكي مبتسما في خلفية الكادر.
ربما خانت الحقيقة أحمد ناجي في بعض الدروس ، فتحيزا للنوستولوجيا لا أرى أية نوستولوجيا في أعمال أحمد مكي ، و أعتب عليه تحطيم الزمن النوستولوجي لديه و لدينا نحن المشاهدين ، و أتوقع أن يلجأ أحمد مكي للنوستولوجيا كرد فعل دفاعي في وقت ما ، بعدما تنتهي أغاني الراب ، بعدما يصبح الشعر الكنيش و القلادة المدلاة من العنق مشهدين أحمقين من مشاهد التاريخ البائد ، ساعتها سيكون للنوستولوجيا نصيب وافر من أعمال أحمد مكي.
يبقى أن أشيد بالتفكير المتطور الذي يحول الكتاب بعيدا عن الورق هذه الأيام ، دعاية بسيطة بين الأصحاب على فيس بوك ، و بعد عدة أيام صدور نص رائق في حلة بسيطة على المدونة ، كل ذلك بلا قطع ورقة واحدة ، فمعظمنا لا يكتب على الورق هذه الأيام – اجابة سؤال يوسف القعيد – بل نفضل الكتابة مباشرة على لوحة المفاتيح توفيرا للورق و الحبر و الوقت و الخط الرديء، و رغما عن غواية الورق ، و أضواء حفلات التوقيع ، و الابتسامات الموزعة على الوجوه أثناء المباركة بصدور نص ورقي ، يبقى إعدام الأشجار و قرف الناشر و أخطاء الطباعة و عدم احترام المكتبات للموزعين و تكاسل المطابع عن اتمام الطباعة في الوقت المحدد ، يبقى كل ذلك مدعاة لنبذ الورق ، أو على الأقل استخدامه لأغراض أخرى أهم و أكثر نفعا و بلا بدائل ، فنص كهذا لا يريد أن يخلد في التاريخ كما يسيطر الوهم على بعض الكتاب ، كذلك لا يدعي كاتبه أنه أتي بنظرية تفسر نشأة الكون أو ترسم شكلا متكاملا لخالقه ، فقط أفكار أراد تسجيلها ربما ليفهمها بشكل أفضل.