تشريح

Africano - Fri, 09/11/2007 - 8:26pm
1
لن يكفّ "ليوناردو دافنشي" عن إثارة دهشتي أبداً. كل مرة أقلب فيها صفحات الكتاب الذي يحتوي على رسومه التشريحيّة، أتعجب من هذا الرجل ذي الموهبة الفذّة الفريدة. وجدتُ الكتابَ بالصدفة على رفٍّ مهمَل في مكتبة معهد الأورام - حيث أعمل - و شعرتُ أني اكتشفتُ أثراً. الكتاب من إصدار 1968 في باريس، و يقدّم معدُّه الشكر للملكة إليزابيث الثانية على سماحها له بالاضطلاع على الرسومات الأصلية بقصر "وندسور". و يشتمل على معظم رسومات ليوناردو التشريحية مع تعليقات في نطاق محدود. 2

 

ليوناردو دافنشي لاشكّ أن صعوباتٍ كثيرة قابلت ليوناردو من أجل رسم هذه اللوحات: في وقتٍ كان التشريح جريمة بحكمٍ كنسي منذ مجمع "تور" عام 1163، حين منع الأساقفة المجتمعون تشريح الجسد الإنساني تأكيداً على عقيدة "قيامة الأجساد" التي تم تقنينها في المجمع ذاته. غالباً لم يكن المنع سوى تقرير لوجهة النظر المسيحية تجاه التشريح. على أي حالً، فإن ليوناردو كان عليه أن يكمل عمله في سريّة تامة - عام 1510 - بعيداً عن عيون رجال الكنيسة، و هكذا لم يُنشر الكتاب أبداً في حياته. اعتمد ليوناردو - خوفاً من الكنيسة - على الحيوانات في معظم الأحيان. لكم بعض الرسوم تشير بصراحة إلى أجساد آدمية لابد أنها كانت أمامه ساعة رسمها. و هو بهذا قد يكون أوّل مشرّح اعتمد في وصفه على الأجساد الآدمية مما جعل رسومه تنقص من مصداقية الآباء المؤسسين مثل "جالين" الذي اعتبر أبا التشريح، حتى نقضت أعماله تماماً بصدور كتاب "أندرياس فيزاليوس" - الكاثوليكي البلجيكي - بعد ليوناردو بثلاثين عاماً.

ِأندرياس فيزاليوس

لكن ظهورَ البروتستانتية فتح باباً لعلماء التشريح. و مع بدايات القرن السادس عشر، صُرّح لكليّة الجرّاحين الملكية بلندن بتشريح أجسادٍ آدمية لكن بشروط أهمها أن يكون أصحاب الآجساد من المحكوم عليهم بالإعدام شنقاً. كان الأمر نوعاً من العقاب المشدّد أكثر من كونه خدمةً لاغراضٍ علميةً! 3

 

 

دقّة الرسوم - تشريحيّاً - تتعدى السبعين بالمائة. الغريب أن يعض الإضافات توجد بالرسم دون أي أثر لها في الحقيقة. أحياناً يضيف ليوناردو عضلة أو عظمة لا توجد في الإنسان ثم يلغيها في رسم آخر! التفسير الوحيد هو اعتماده بشكل أساسي على جثث الحيوانات مما جعله يظن أن هناك تنويعات طبيعية للجسد الإنساني قياساً و مقارنةً بالحيوان. في بعض الرسوم تجد الجزء الإنساني يقابله مثيله في الحيوان. و قليلة هي الرسوم التي تعتمد على معتقدات سائدة أكثر من تشريح حقيقي. ففي رسم "الجِماع" copulation - و هو رسمٌ فريد - أخطاءٌ تشريحية بالجملة تعكس الجانب "الفني" أكثر من التشريح. في النهاية ، فإن ليوناردو فنان ينقل إحساساً ، و هذا هو تفرده! 4


la copulation

 

    يمارس الشخصان الجنس واقفَين، مما يتيح فرصة اكبر لرؤية تفاصيل الجسدَين. تشريح الرجُل أكثر دقة بينما صُورت المرأة بشكل أقل دقة و أكثر خيالاً. قنوات المنى متصلة بظهر الرجل و عموده الفقري. يمتد قضيبُ الرجل داخل المرأة، فيمتد له مقابلاً عنق الرحم مقترباً منه. يقدم الرحم البويضات كالثمار التي تلتقي المنى. "إن الرحم و المهبل حيوانان خارجين - جزئياً - على الإرادة، يتم اجتذابهما بالروائح الطيبة و تنفيرهما بالروائح االكريهة"، هكذا يعلل ليوناردو اقتراب عنق الرحم من القضيب في الرسم.
ينقسم الرحم إلى حجرات، يعكس ليوناردو هنا تفسير العصور الوسطى لتعدد الأبناء؛ فكل امرأة تولد بعدد محدد من "حجرات الرحم" و على هذا الأساس يتحدد عدد أبنائها. يتصل الرحم بالثديين عن طريق أنبوبة طويلة توصل اللبن الذي يتم تصنيعه في الرحم إلى الثديين حيث يتم إفرازه! 5 لم يُحسم الجدل في أوروبا حول التشريح حتى سنة 1831 في تداعيات قضية "روبرت نوكس" الذي اشتهر بكونه أوّل جرّاح يحاضر في علم التشريح للطلبة. لكن مصادر الأجساد التي كان دكتور نوكس يستخدمها كانت دائماً مصدراً للاستفهام حتى تم اتهامه بشرائها من "موردَين" مشهورين للموتى - "وليام برك" و "وليام هير" - كان يتعامل معهما بشكل منتظم. لكن التحقيقات أسفرت عن مفاجأة: فالمتهمان كانا قد قاما بقتل 16 فرداً للحصول على جثثهم. و قدد بررا هذا بضرورة الحصول على "أجساد طازجة" كي يستطيع "نوكس" تشريحها. ابتكر "برك" طريقةً للشنق لا تظهر أثارها ابداً، و منه اشتق الفعل الإنجليزي "burking" . لكنه في النهاية حُكم عليه بالإعدام شنقاً، و تم إهداء جسده لكلية الجراحين الملكية حتى يتم تشريحه علانية.

Robert Knox

بعد انتهاء القضية أصدرت الحكومة الإنجليزية " وثيقة التشريح" التي منعت تشريح جثث المحكوم عليهم - كنوع من العقاب - ، و في المقابل سمحت للجراحين و علماء التشريح بالحصول على الأجساد من المستشفيات العامة و الملاجيء بعد ثبوت شروط معينة. و هي الوثيقة التي استخدمتها بعد ذلك معظم البلدان - و فيها مصر - لتقنين التشريح بكليات الطب. 6 رسومات ليوناردو ممتعة حقّاً. تقف في هذه المساحة الفاصلة - الدقيقة و المحببَّة - التي تفصل العلمَ عن الفن. التي تجعل الجراحة و التشريح قسمين من الفن التشكيلي ؛ و من الجسد الإنساني أعجوبة فنية لا تنتهي. غداً أعيد الكتاب للمكتبة، و سيرجع - كما كان - مهملاً على أحد الرفوف!