المضحك في موضوع الإصرار على استخدام ما يسمى باللهجة المصرية في غير مكانها ال كان من تداعيات ويكيبيديا مصري هو أن الشخصية و اللهجة المصرية تتجلي لما تقرا مقالة مصر في ويكيبديا المصري و تلاقي حاجات من نوع "حدودها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي بتاع البحر المتوسط" بدل "يحدها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي للبحر المتوسط"!! يا صلاة الزين.
كأن الواحد إن ماكانش كلامه ممجوج و محشي لوازم و كليشيهات مالهاش لازمة و ممدود بلا داعي ما يبقاش كلامه مصري..زي ال كل ما يتكلم كلمتين يقول البتاع أو قوم إيه.
ما حدّش يستظرف و يدور لي على بتاع في ال أنا كاتبه و يصطاده لي و يقول لي أنه لقى عندي بتاع. أنا عارف و باستخدم بتاع، لكن كل شيء في مكانه المناسب.
أظن أن أي نفر ورد على ثالثة إعدادي يقدر يقرا الجملة العربي بالبلدي مش بالنحوي، و يكون كلامه عادي و مفهوم للعامة من المصريين؛ و مش غريب على رجل الشارع العادي زي ما الحكومة بتسميه؛ و كأنه مثلا هوموإجبتُس. ميزة دا أن الناس الآخرين سواء مصريين أو غيرهم ال لهم لهجة مختلفة هم كمان يقدروا يقروا المكتوب من غير ما يقعوا في مشاكل من نوعية همزة أو قاف أو جيم. دا حتى الصينيين ال بيتكلموا خمسين بالعدد؛ مش مبالغة لغة مختلفة عندهم القدرة يفهموا الكتابة لأنها واحدة. أظن لما نسعى لأننا نخسر دا بنفسنا لمجرد أننا عاوزين نقلد تاريخ اللغة اللاتينية نبقى أغبيا مع سبق الإصرار. الأوربيين كان في نفسهم يعرفوا يتكلموا لغة واحدة، و محاولات لغات الحديث المصطنعة شاهد على كدا. نقوم احنا نتعب نفسنا علشان نعمل لغة ما نقدرش كلنا حتى في البلد الواحد نفهمها، علشان بعدين نحتاج مترجمين!
سيبوكم من مواضيع لغة ربنا و الملايكة و الكلام الفارغ دا ال بيردده المدافعين عن الفصحى من منطلقات إسلامية. ملاحظتي هي أن الناس ال بيستخدموا الحجج دي هم من أقل الناس في القدرة و الإبداع اللغوي لأن حصيلتهم في الغالب تراثية و محفوظات.
تجاهلوا ال يقولوا لكم أن العربي لغة التقعر و مش عارف إيه. العربية المعاصرة القياسية هي اللغة ال يتكلمها اثنين متعلمين و واعين لنفسهم، واحد فيهم شامي و الثاني مغربي لما يحبوا يتفاهموا؛ فكل ال يعملوه هو أنهم ما يستخدموش التراكيب و المفردات المحلية جدا، و يحاولوا يوصلوا للغة وسط. التعقيد و الزخارف اللغوية هتفضل موجودة طبعا و لها جمالها، و هي على كل حال أحسن من أن الواحد يحب ال قال بيسموه شعر التفعيلة و لا مش عارف إيه. لكن التعقيد مش مرادف للدقة و الوضوح إلا عند الناس ال هم أصلا مش بيعرفوا يناقشوا أي مسألة مجردة و معقدة بأي لغة؛ لا عربي و لا إنجليزي و لا فيومي، لأنهم ما يعرفوش غير ثلاث أو أربع كلمات و خلاص.
سيبوكم كمان من خدعة أنها لغة المصريين كلهم و المصريين فقط. القوميين المصريين ال فاكرين أن دا ترسيخ للشخصية المصرية هيتزنقوا زنقة ما لهاش حل في عقيدتهم الكتيانة بتاعة الدولة المربعة©.
و سيبوكم كمان من أن أغلب الناس سواء المتحمسين للعربية القياسية المعاصرة أو للعامية مش فاهمين الفرق بين اللغة و اللهجة. صحيح دا موضوع خلافي بين اللغويين و تدخل فيه أيديولوجيا و سياسة كثير. مش بس في العربي، دا تكرر كثير في أوربا في العصر الحديث لما دول تنقسم أو قوميات تتوزع على أكثر من دولة و يكونوا عاوزين لغتهم تكون باسم دولتهم فيدعوا ادعاءات ديماجوجية منافية للتاريخ و لأصول اللغويات، المثال ال أذكره حاليا هو المولدوفية. لكن فيه فعلا ناس كثير جدا مش فاهمين حتى الفرق بين اللغة و الكتابة! زي ال يقول لك المصريين زمان كانوا بيتكلموا هيروغليفي أو اللغة القبطية مزيج من المصري و اليوناني. يعني لازم تبدأ معهم من البداية خالص، و دا بصراحة موضوع متعب. الهلاوس دي واردة و متكررة حتى في أوساط ناس الواحد بيتوقع أنهم يكونوا فاهمين أحسن من غيرهم، و عادة تزيد في أدوار الانحطاط الحضاري زي ال احنا فيه دالوقت.
ما تسألوش في ال يقول لكم أن العامية لغة بلا قواعد. ما فيش لغة بلا قواعد. يعني قبل ما اللغوين يشتغلوا على جمع و تأصيل قواعد أي لغة، اللغة نفسها تكون موجودة. اللغة في النهاية بروتوكول لترميز الأفكار؛ و بروتوكول يعني قواعد، يعني نحو. و دا مش تناقض لأن العاميات العربية تنويعات على لغة هي في أساسها العريض عربية نحوا و مفردات و تراكيب، حتى لو دخلها عناصر من لغات أخرى، و دا حتمي، سواء مفردات من لغة أجنبية، أو تأثيرات من لغات سابقة. و ما يمنعش أن فيه فعلا لغات بتنفصل عن بعضها، زي مثلا المالطي ال أصلا كان عربي؛ لكن دي ملابسات و تاريخ مختلفين ممكن المهتم يبقى يطلع عليهم. لكن حتى الأمثلة دي الناس دول مش داريين بها خالص، و ما فيش في دماغهم غير مثال اللاتيني في العصور الوسطى الأوربية، ال سياقه مختلف تماما عن حالنا دالوقت.
و طنشوا خالص المسيحيين ال عندهم مشاكل في رؤية العالم و يعتقدوا أن العربي دا بتاع المسلمين و أنهم برفضهم إتقانه فهم بيميزوا نفسهم و يأكدوا هويتهم. دول مشكلتهم أنهم زيهم زي بتوع لغة الملايكة بالضبط؛ زائد شوية تحابيش مما سبق و ردود فعل نتيجة كبت . و دول و غيرهم مش واخدين بالهم أن خلال القرنين ال فاتوا ال أخرج اللغة العربية من كونها لغة تراثية و فقهية و حدّثها و أعاد إنتاجها كلغة للحياة المعاصرة كانوا أغلبهم علمانيين و كثير منهم من المسيحيين العرب في الشام و العراق و مصر. و كلهم ماعندهمش إجابة عن ليه المصريين ما حافظوش على لغتهم زي الأتراك و الإيرانيين أو الكرد أو الأمازيغ أو النوبيين، مع أن دول كلهم أصبحوا مسلمين كلهم عن بكرة أبيهم، و بدري جدا! دول لو كانوا تذاكوا و كتبوا القبطية بالأحرف العربية يمكن كانت عاشت و كنا تعلمناها كلنا جنب العربية لأنهم كانوا هينقذوها من مصير أنها تبقى بس لغة كنسية. و دول غالبا ما شافوش المعنى ال ورا العبارة ال لاحظتها مكتوبة بخط صغير بالعربية على طرف ثوب فخم جميل لأسقف مصري من القرن الثالث عشر كتبت عليه صانعته الماهرة اذكر يا رب عبدتك مارية؛ و على صوان دُلاب خشبي من كنيسة قبطية من نفس الفترة كتب عليه النجار ال أهداه للكنيسة اذكر يا رب عبدك بانوب. دا كان في معرض في المكتبة البريطانية عن أثر فنون الشرق الأدنى على التراث الفني الأوربي المسيحي.
و تجاهلوا ال لسى تايهين في أزمة عربي و لا مصري؛ دي مشكلتهم هم لوحدهم و هم ال عاملينها لنفسهم لأن ما لهاش أي مبرر و لا الحلول الأحادية بتاعتهم لها أي مميزات فكرية أو عملية، و أغلبهم عندهم جهل شديد ببلدهم و بالتنوع ال فيها زي ما عندهم جهل أكبر بمحيطهم العربي و الأفريقي، بتاريخه و ناسه و أرضه. و أغلبهم إجاباتهم لسة تدور في فلك أساطير القدماء ال تحكي عن ساميين و حاميين، و أن شجر المكرونة ينمو في مدغشقر.
ببساطة جدا، موضوع اللغة فيه مبررات عملية تزيد من فايدة وجود لغة مفهومة على نطاق واسع بين العرب، و لها علاقة كمان بالقدرة على مراكمة المعرفة و العلم. ال فاكرين أن الإنجليزي ال هم أصلا بيعرفوه نص نص دا لغة تفاريح و كل شي كان و عاوزين يقلدوه مش فاهمين أن فيه لغة انجليزية ثانية خالص غير ال هم يعرفوها في الشات و فيسبوك، لغة علمية و قانونية منضبطة و محافظة و دقيقة تستخدم في كتابة أي شيء له قيمة و ضروري أن أكبر عدد من الناس يفهموه بأقصى وضوح ممكن و لأطول زمن ممكن. زي ما كتبت، الأوروبيين لو كانوا بيتكلموا لغة واحدة النهاردا كانت قدرتهم زادت كثير في اتحادهم الاختياري ال هم عملوه.
أيوه فيه تحديات تواجه العربية و ال يتكلموا بها. و جزء منه بسبب أننا مضطرين نستعمل تقنيات غيرنا ال اخترعها، من أول المطبعة و الآلة الكاتبة لغاية يونيكود، لكن فيه كمان مشاكل بسبب أن بعضنا أغبياء مع سبق الإصرار زي قلت.
و أيوه الاستغباء الظاهري و التظاهر برفض تعلم كلمات جديدة و التريقة على الناس ال بيعرفوا يتكلموا بفصاحة جزء سخيف في الشخصية الشعبية المصرية. و الإعلام الحكومي الاحتكاري بغباوته ضيّع كل فرص الاستفادة من التقنيات ال كانت حديثة زي الراديو و التلفزيون في تعليم الناس و فضّل أنه يكون للتمويه و للتسلية و برامج تسطيح العلوم و الثقافة، و برضو بذريعة هوموإيجبتس ما بيفهمش غير كدا. و فيه مشاكل في التعليم و أجيال مش بتعرف تتكلم أي لغة خالص بما فيها عامية أهاليهم.
عموما، الناس من حقهم يجربوا. و مش هنخسر حاجة، و مش صحيح أن ويكيبيديا العربية هتخسر. لأني شايف زي ما غيري شايفين أن المتحمس لويكيبيديا مصري هو غالبا مش من فئة الناس ال يتحمسوا لويكيبيديا عربية. حتى أنا مع أني مش مهتم بالتجربة - و إن كنت مهتم بنقد الأسس الفكرية للقايمين عليها - فأنا مهتم مثلا بمعاجم العاميات، لأن دي لها فايدة في نظري، و مهتم كمان بموضوع أورثوجرافيا العاميات، لأنه موضوع مثير، و طبعا أنا مش ضد العامية بشكل عقائدي، لأنها حتمية طبيعية لاختلاف الجو و الأرض و الزرع و المجتمعات، و دا برضو ببساطة.