توقفت اليوم سيارتى للمرة الألف، أصبحت تخذلنى كل الأوقات، اتصلت بالميكانيكى و جاءنى بعد ساعة، فتحها و انزلق تحتها ثم نظر لى نظرة استرجاء: لازم تكلم حد يجى يقطرها لحد الورشة.
أقف عند الميكانيكى و انظر بشفقة إليه؛ إن لم يكن طيب الأصل، ما كان مد أى يد عون لى.
- يا أستاذ حرام عليك، والله ما بقى ينفع خلاص، بجد هى كدة جابت آخرها
- و العمل؟
- حضرتك لسة بتسأل؟ ما انا كل مرة اقولك بيعها، لكن دلوقت انا محتاج أقولك انها بقت لازم تتكهن!
لا أستطيع استيعاب ما يقوله، لا أستطيع ان أفرط فيها مهما ساءت حالتها.
منذ وعيت على الدنيا، و انا أرى لهفة أمى و هى تجرى على النافذة عندما تسمع نفير تلك السيارة؛ سيارة أبى. كان يُصدر صوت نفير بطريقة مميزة إشارةً لها بوصوله.
فتنظر من فتحة الشباك و ترقبه و هو يركن، ثم بعد خروجه من السيارة، يرفع رأسه و يبتسم لها ابتسامة خاصة.
و منذ خطواتى الأولى، عودتنى أمى ان أميز صوت السيارة و أنطلق لرؤيتها و رؤية أبى مهللاً كجميع الأطفال "بابا جه بابا جه"؛ فقط مكرراً ما أحفظتنى أمى إياه.
لم يحدث ابداً انها لم تسمعه، إلا مرات قليلة جداً عندما لم تستطع ترك ما بيدها و كان عليها تبرير عذرها مع دخول أبى الشقة و طبع قبلة على جبينه للمصالحة.
لن يصدقنى أحد أن أمى و أبى استمرا فى فعل ذلك حتى آخر لحظات حياتهم؛ كنت شاباً طولاً و عرضاً فى الجامعة و أرى أمى تتجه نحو النافذة بإشارة من أبى، و كنت انا قد توقفت عن فعل ذلك منذ بدأت مراهقتى و تمردى و محاولاتى إثبات أنى لم أعد طفلاً.
سألتها يوماً:
- انتى إزاى ما زهقتيش؟
- احنا اتفقنا من عشرين سنة ان دى من الحاجات الرومانسية اللى لازم نحافظ عليها و ما نخليش الجواز يقتلها
- يعنى انتى بتعملى كدة وفاءاً للوعد بس مش أكتر؟
- لأ طبعاً، بعمل كدة عشان انا حبة كدة، لأنى كل ما باسمع الصوت و أقرّب من الشباك، بأحس انى لسة عروسة جديدة و انى قضيت يومى كله مستنية أبوك يرجع من شغله فى الحتة المقطوعة اللى احنا فيها ديه، آه .. اللى كانت زمان مقطوعة.
لم يوقفهما ابداً الشجار أو الخصام عن تلك العادة، كان الفرق أن الابتسامة يحل محلها نظرة حنين عنيدة.
و عندما مرض أبى و كنت أقود له السيارة، كنت أفعل كما اعتاد أن يفعل تماماً، و ظلت أمى ترقبنا حتى توفى أبى و لحقته أمى بوقت بسيط.
ظلت تلازمنى حركة لا إرادية بعدها لفترة؛ أنى ألتفت فجأة عندما أسمع صوت سيارة شبيه، حتى إن كنت انا من يقود.
أحببت أن تنتقل تلك العادة الجميلة لأسرتى و ان نرتبط بنفس السيارة و بنفس العلامة المميزة من نفيرها.
بعد زواجى بشهرين، اقترحت الفكرة على زوجتى، و فوجئت بإجابتها
- إيه شغل العيال دة .. هو احنا لسة مراهقين ؟
و بهذه الإجابة التى أفحمتنى، لم اخبرها عن قصة أمى و أبى، و لكن بقيت الفكرة فى عقلى حتى وَعىَ طفلى، علّمته و عوّدته، و لم تبد هى اعتراض حينذاك.
- طيب لاصمهالى دلوقتى و انا هافكر فى الموضوع دة، بس ما عندكش زبون عنده نفس الموديل و اللون و عايز يبيع عربيته؟
نقف بمواجهة بعضنا البعض و نفرد ذراعينا عن آخرهما، أنت من ناحية و أنا من الناحية الأخرى. نتقدم بخطوات ثابتة لنتقابل فى منتصف المسافة، نضم أطرافها، فتلمس أناملى أناملك.
نرجع للوراء لنقطة وقوفنا الأولى، مشدودة هى و كأنها رباط المحبة بيننا. تُثبّت عينك تجاه عينى و نكرر التقدم و الرجوع كأننا نرقص تانجو، نطويها، فتلمس أصابعى أصابعك.
تصبح الملاءة قطعة صغيرة مربعة، نضعها على الرف و نُربت عليها و كأنها طفلتنا، ويستكين كفى بالكامل فى كفك.
قبلما تُجلسنى الفتاة على جهاز مُنشِّف الشعر، أوصيها أن تغطى ظهر أذناى بقطن كثير، و تحبُك المنشفة على رقبتى. أدخلَت رأسى و تأكدت انها لا تتعرض لأى هواء خارجى ثم ضبطت الجهاز على ساعة.
- ساعة ليه، دة كتير أوى
- معلش يا آنسة، انتى مش عايزة شعرك يطلع كويس؟ لازم ينشف كويس.
علىّ أن أبقى حبيسة ساعة كاملة تحت هذا الجهاز اللعين، أكره العلماء الذين لم يخترعوا بعد آلة لتنشيف الشعر فى وقت أسرع من ذلك.
لم أحضر كتاب لأقرأ فيه، لا يتبقى لى إلا أن أشاهد من حولى حتى يسرقنى الوقت.
تجلس أمامى سيدة عجوز تكاد العروق تنفجر من وجهها وذراعيها، انتهت للتو من كي شعرها، تلفه برباط مطاطى أصفر (أستك الفلوس!)، و تضع عليه إيشارب مربع. حقيبتها، عقدها وقرطها من الزمن القديم جدا. تقوم من كرسيها بصعوبة و تنظر لنفسها فى المرآة ببهجة و تدفع الحساب و تنصرف.
فتاة تطلب قص شعرها الطويل إلى قصير جداً، أردت أن أهب صائحةً فيها "اعقلى يا مجنونة، فى غيرك بيفضلوا خمس سنين علشان يوصلوا لطول شعرك دة، حرام عليكى .. آه يا قهرة قلبى"، أنظر إلى الشعر و هو يتساقط من رأس الفتاة بالتصوير البطئ و أتخيل موسيقى هادئة تُعزَف في الخلفية، وأتأمل خصلات الشعر المتناثرة على الأرض و كأنها لوحة سريالية، من الممكن أن تُضاف لها بعض الخطوط الملونة وتصبح قطعة إبداعية.
بعض الفتيات العاملات في المكان شعرهن مصفف و بعضهن لا. هل تسمح لهن صاحبة العمل باستخدام المحل دون مقابل؟ و إن كان بمقابل، هل تحاسبهن بنفس سعر الزبائن أم لهن تخفيض؟ و هل تُدّون ذلك فى حسابات المحل؟
ألاحظ أن بعض السيدات يدسسن عشرة جنيهات بقشيشاً فى جيب الفتيات و ليس الخمس جنيهات المتعارف عليها.
من كثرة النداء عليهن، أحفظ أسمائهن: هدى، مها، شيماء، نجوى وهالة.
تُعجبنى نجوى، تعامل الزبائن بحميمية شديدة وتُشعرهن بأهميتهن، تُمطر كل سيدة بكلمات إعجاب وكأنها أجمل نساء الارض.
هدى عصبية جداً، أراها مستفزة أيضاً، لو كنت مديرتها لطردتها من المكان.
هالة المسؤلة عن غسيل الشعر، لا أشعر أنها تتعامل مع رأس إنسانة، أراها عنيفة نوعاً ما. بعض السيدات يجلبن الشامبو والبلسم الخاص بهن. الكمية التى تستعملها هالة منهن اكثر بكثير من الكمية التى تستعملها من شامبو و بلسم المحل.
شيماء الأكثر شعبية، عندما تدخل أى سيدة، تسألها مَن على الباب "تحبي حد معين معاكي؟" معظم الاجابات تكون شيماء، ليست بالوجه المبتسم لكنها سريعة و تعرف جيداً ما تفعله.
مها مهمتها طلاء الأظافر، تنقع اليد أو القدم فى وعاء بلاستيكى لخمسة دقائق ثم تفرد كريم خاص وتدعك من الخارج للداخل فى صورة دوائر ثم تبدأ عملية الطلاء. أركز معها بشدة فى الطلاء الفرنسى، لا أفلح أبداً فى وضعه لنفسى، ربما أتعلم منها.
مع اعتياد المجئ، ترتاح كل سيدة مع فتاة معينة، بعضهن يتصادقن و يتكلمن في أسرار البيت و الجيران و يمتد الكلام لكثير من النميمة و أحيانا الغيبة.
أنظر إلى أصابعهن جميعاً لأبحث عن خاتم الزواج، لأحدد من منهن مخطوبة أو متزوجة أو آنسة. لا هدف لما يدور فى عقلى إلا قتل الوقت.
أنظر إلى الساعة، مرت نصف ساعة فقط، لا أستطيع احتمال الحرارة، أشعر بالصداع
- عندكو أسبرين؟
- لأ
أصمت و أقول فى سرى "آه و تجيبوا أسبرين ليه، ما انتو مش فارقة معاكو، هوة انتو اللى قاعدين متذنبين كدة و لا الغلابة اللى زيى"، يقطع حبل أفكارى و إستنكارى حوار بجانبى
- هو بكرة كام … محرم؟
- و الله مش عارفة يا مدام، هو انا فاكرة انهاردة ايه من أيام الأسبوع أصلا…
- عندك حق، بس الواحد عايز ماينساش عاشوراء
- آاااااه، همك على طبق العاشوراء، حضرتك اللي بتعمليها ولا بتجبيها جاهزة؟
- مش بسأل علشان كدة خالص، انا بسأل عشان الصيام
- صيام؟!! ليه؟!؟ و هو عاشوراء بيتصام ليه بقة إن شاء الله؟؟!!
- سُنة عن الرسول عليه الصلاة و السلام، علشان دة اليوم اللي موسى انشق له البحر و اتعمل طريق
- "فاغرة فمها": هة؟ العلم نور برضك، ما دام سُنة يبقى نصومه طبعاً.
تدخل بنت تسأل عن أسعار و تفاصيل عرض ليلة الزفاف، ما المدة الكافية للحجز قبل الفرح، هل العرض متضمن لف الطرحة أم تصفيف الشعر و المكياج فقط.
أحب ألوان مناشفهم؛ مخططة لبنى و أزرق، مرصوصة فى الدولاب بنظام شديد على حسب أحجامهم.
يرن الجرس للتنبيه بانتهاء الوقت، و يتوقف الجهاز عن العمل أخيراً، أخلع رأسي منه و أتنفس الصعداء.
"يتميز النمل بالحياة في جماعة والتعاون في العمل بنظام شديد. يدّخر النمل الطعام في الصيف ويخزنه حتى يستطيع مواجهة برد الشتاء الذي يمنع أفراده عن الخروج من أعشاشهم. النمل أكثر المخلوقات نظاماُ و هو في حالة عمل دائم ومستمر، نجاحه قد تعدى نجاح البشر..." هذا ما تعلمناه جميعاً فى المدرسة.
فى تلك المرحلة من الطفولة، كنت اتربع على الأرض و بحذر شديد أراقب خط النمل لساعات طويلة و اتعجب و استنكر بشدة لماذا يتخذ حوائط منزلنا مقراً لبيوته.
و بشقاوة الأطفال، أسكب قطيرات من الماء على مجموعة النمل، ليعجبنى الفزع الشديد الذى يحل به.
حكاياتى مع النمل ممتدة مع تاريخ حياتى؛ ابتدائاً من علبة شيكولاتة بالبندق اهدتها لى جدتى و انا فى سن الخمس سنوات، وضعتها فى دولابى و فتحتها بعد أسبوع لأجد الشيكولاتة مليئة بالحفر، أكل النمل البندق و ترك لى الشيكولاتة خاوية.
استيقظت يوماً على صراخ أمى، جاءت لتوقظنى فوجدت بقع حمراء و لدغات عريضة لا حصر لها على وجهى و رقبتى. اعتدت أن أخبئ أقراص النعناع اللذيذة تحت وسادتى، تلك الليلة أخذت واحدةً و وقعت فى النوم قبلما أعيده تحت الوسادة، فتسلى النمل عليه وعلىّ حتى الصباح. ظل جلدى ملتهباً لساعات و أمى تبرده لى بالماء و مكعبات الثلج.
و فى ليلة أخرى، قرص النمل أخى فى عينه، فتورمت و ظلت منتفخة تحكه بشدة لفترة كبيرة من الوقت.
لن أنسى صرخة قريبَتنا بعدما قدمت لها أمى صينية الشاى، لأنها وجدت النمل يتنزه فى السكّرية، التى نحتفظ بها فى نيش السفرة. و كان موقفاً محرجاً إلا أن أمى تفادته بالشكوى و استرسال حيرتها فى عدم وجود حل لتعدى ذلك المخلوق على كل ممتلكاتها.
و مع توالى الأيام، كنت أرى نظرات الأسى و الغيظ فى عيون أمى فى كثير من المواقف بعدما يُنتَهك طبق من الطعام الذى تعبت فى تحضيره، أو بعدما تُفاجأ بنقصان في أكياس السكر المحفوظة فى دولاب المطبخ. و كنت دائماً و انا أغلى من الداخل أواسيها و أساعدها فى تنظيف الأرفف و تغيير ورق الجرائد و غسيل الأطباق و الأكواب و تجفيفها و رصها من جديد.
و لذلك و بعد سلسلة أحداث مأساوية فى نظرى، أعلنت الحرب علي ذلك المخلوق المغتصب السارق، و بدأت فى تجهيز الوسائل و الأسلحة الرادعة التى تؤدبه و تبيده من بيتِنا.
كنت أضع صفار البيض أو حبات من العنب البناتى فى ركن و أمُر كل ربع ساعة لأرى الأعداد تتزايد وأصبر و أنتظر لتتزايد أكثر و أكثر و أستلقى على الأرض أو أقف على كرسى لأراقبهم و لأحدد مكان جحرهم، ثم أمسك المبيد الحشرى و أرش بعنف شديد من نقطة البداية إلى نقطة النهاية. اعتبرت المبيد كأنه سيف حاد فى يدى أقطع به رقاب كل تلك الكائنات الصغيرة. و بعدما أنتهى، يبقى خط من النقط السوداء، اتأمل جثثهم المتناثرة و كأنهم أفراد جيش حلت بهم هزيمة مباغتة و تعترينى نشوة الانتصار.
نهرتنى أمى عدة مرات من كثرة استعمالى للمبيد الحشرى و حذرتنى انى سأُصاب بالسرطان.
لم تفلح المناديل الورقية المتوفرة فى البيت لأنها مجرد أن ابتلت بالماء ذابت، فأشتريت كمية كبيرة جداً من أكياس القطن، و قسمتها لقطع متوسطة و كبيرة الحجم لتكون جاهزة للإستعمال الفورى. جهزت أيضاً وعاءاً فيه خليط من الماء و الصابون.
و فى وقت المعركة، أغمز قطعة القطن فى الوعاء و أهوى بيدى على نقطة البداية و أمسح الخط مسحاً شاملاً، ثم أرمى القطنة فى وعاء آخر فيه ماء فقط لأرى الجثث الصغيرة تطفو على وجه الماء ثم ارميها فى الحوض و استمتع برؤيتها تُسحَب فى البالوعة و تختفى لحال سبيلها.
استشرت العطارين و جربت جميع وسائل التخلص من النمل؛ بدايةً من مسحوق النمل، و مروراً برش الخل فى الأركان و رسم خطوط النمل بالطباشير و حقن ثقوب الحوائط و الأرض بالجاز وتأجير شركات إبادة الحشرات و أخيراً و ليس آخراً إختراع العجينة التى تباع فى الصيدليات. و لكن هيهات، ما استطاع أى من تلك الأنواع وقف النمل عن الانتشار.
فى وقت الطفولة، كانت النملة مخلوق ضعيف بحق؛ نزول قطرة واحدة من الماء عليها معناه موتها فى أقل من الثانية، إنما الآن تجدها تحاول الهرب و هى منغمسة كاملة فى الماء ثم تخرج منه و كأن شيئاً لم يكن، فلم يعد الماء ولا أى وسيلة قتل من ما سبق مناسبة له، النمل أصبح سوبر باور.
إنه حتى يصل للمكسرات المحفوظة فى درج الثلاجة، حتى برودة الثلاجة لم تعد تعوقه!
كما أنه أصبح يتجمع على أنواع من الأكل لا تتوقع أن تجذبه مثل الجبنة الرومى و أكياس الخميرة وما يتبقى في فناجين القهوة!
اليوم أخذت أجازة من العمل، و انا صافية البال أعددت فى الصباح لفائف من الجلاش المحشو بالزعتر والأنشوجة واللحم المفروم و رصصتهم فى صينية فى ثلاثة أجزاء و حفظتها فى الفرن لأسويها قبل ميعاد رجوع أهلى للبيت بساعة. من كل مواقفنا السابقة، كان من المعروف أن الفرن مكان مُحصّن لا يقربه النمل، و لكنى فتحت الفرن لأجد الثلاثة أجزاء عبارة عن سواد حالك، أعداد غفيرة و تجمع لم أرى له مثيل؛ جيوش بمعنى الكلمة.
قذفت الصينية بكاملها فى الحوض و فتحت المياة على آخرها و صرخت صرخة واحدة و جلست على الأرض و انهرت فى بكاء متواصل.
اجتمع به مديره بالأمس و حذره للمرة الأخيرة أنه سيضطر ان يُنهى عمله بالشركة إن تأخر يوماً آخر. لم يأت ذلك القرار الحاسم فجأة، و لكن سبق لمديره أن نبهه عدة مرات بأنه يجب ان يجد حل لموضوع وصوله للعمل متأخرأ، و لم تتحسن أحواله كثيراً، ثم تغير التنبيه إلى توبيخ شديد و متكرر لنفس الموضوع و كان ينضبط لأيام قليلة ثم يرجع إلى ما كان عليه. و مع كثرة شكاوى الزملاء من أن أشغالهم تتعطل بسبب تأخره الدائم، لم يجد المدير إلا قرار الفصل النهائى.
معتاد هو على الاستيقاظ على مراحل، بداية من مرحلة التقلب فى السرير و فتح العينين نصف فتحة و التثاؤب و غلق رنين المنبه الأول ثم الثانى، و منتهياً بمرحلة القيام مفزوعاً لفوات الوقت. ذلك بالإضافة الى ان لديه طقوس مكررة يؤديها كل صباح؛ حيث أنه من الرجال التى تعتنِ بنفسها وتولِ اهتمام كبير بمظهرها.
حلاقة ذقنه عملية مهمة يعطيها وقتها الكافي؛ يقف أمام المرآة يتأمل ذقنه يميناً و شمالاً، يفرد كريم الحلاقة على وجهه كأنه يخلط و يفرد ألوان زيت على باليتة رسم، ثم يبدأ بإزالة الكريم بإتقان، ثم يغسلها بالماء البارد و ليس الساخن لأن الماء البارد يفتح مسام البشرة؛ قرأ تلك المعلومة فى مقالة عن الاهتمام بالوجه. يكرر عملية الحلاقة مرتين حتى تصبح ذقنه ناعمة تماماً.
يكوي قميصه و سرواله بنفسه حيث لا يحبذ فكرة ارسال ملابسه للمكوجى؛ يخاف ان تضيع أى قطعة تخصه، أو تُحرق بدون قصد كما تكون الحجة الدائمة.
معظم قمصانه إما مربعات أو مخططة، يختار لون السروال مثل لون الخط في القميص أو لون أحد خطوط المربعات.
و بعد أن يضع مزيل العرق و كريم الشعر، ينثر من عطره على رسغيه و على جانبي رقبته و على ملابسه.
يختار الجورب و الحذاء مثل لون السروال، أسود أو بني أو بيج أو رمادي أو كحلي، ثم يضع نظارته الشمسية الأنيقة ذات الماركة المشهورة على عينيه و ينطلق الى العمل.
اليوم و بعد تحذير مديره، اخذ يفكر هل يؤد طقوسه تلك في المساء حتى يوفر وقتها في الصباح؛ أم يؤجلها للصباح كما هو معتاد و لكن مع الاستيقاظ ساعتين مبكراً.
قرر ان ينجزها ليلاً، و لكن انتهى الامر به أن ينام الساعة الثالثة صباحاً. أخذ يحدق في حوائط غرفته و يتصور انه سيصل متأخرا كالعادة و انه سيُفصل فعلاً و معنى ذلك انه لن يرى هند التى اعتاد على رؤيتها الصامتة، كل يوم يقرر أنه سيكلمها عن اعجابه بها و انه يريد الارتباط بها، و لكن يصيبه الارتباك كلما أقدم على ذلك، و يؤجل تلك الخطوة لليوم التالى .. لن يعد هناك يوم تالى، و ما دام لم يستطع أن يكلمها و هم فى مكاتب متجاورة و يفصل بينهما حائط واحد، فبعد ابتعاده، من المؤكد أنه لن يراها ثانيةً.
معنى فصله أيضاً أنه لن يتناول فطوره من البيض الأومليت و الفول الاسكندرانى و الجبنة الرومى و كوب الشاى المحلى بأربع معالق سكر. يجهزه له عم حسين كل صباح و يضعه على مكتبه مع الدعاء له بالزوجة و الذرية الصالحة.
شعر باختناق من حرارة الجو، فقام و جلب المروحة، ثم ما لبس أن سقط في النوم، و لكن كانت حقاً ليلة مليئة بالكوابيس.
رأى نفسه جالساً على أرض مكتبه محاطاً بالكراتين المملؤة بحاجاته الشخصية و دفاتره، رأى وجوه كثيرة لا يعرفها تمر على مكتبه و ترمقه بنظرات خبيثة وغير مفهومة و وجوه أخرى يغلب عليها ابتسامات صفراء عريضة. سمع ضحكات عالية من الفتيات حديثات التخرج اللاتى التحقن بالعمل الشهر الماضى، و تفاجأ بأطفال يخرجون له لسانهم و يحاولون إغاظته! وجد نفسه يبحث عن هند و لم يجدها و يبحث عن مديره ليتوسل إليه ليعطيه آخر فرصة و لم يجده أيضاً. اختلطت أمامه النظرات بالإبتسامات بالضحكات باللمزات بالوجوه المتداخلة، و هب من فراشه مذعوراً متمتماً: يا ساتر يا رب، يا ساتر يا رب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
نظر إلى منبهه، فوجدها السادسة، و بسرعة البرق، دخل الحمام ليجد المياة مقطوعة. جلب زجاجة مياة من التى يخزنها لاستعمالها فى المواقف المماثلة، منها توضأ و غسل أسنانه، ثم صلى الصبح و ارتدى ملابسه.
و هو يَحبُك ملابسه باللمسات الأخيرة، انفك فجأة الزر فى وسط قميصه، و تدحرج جرياً ليستقر تحت الدولاب. تضجر كثيراً و قال لنفسه متأففاً: دة إيه اليوم اللى باين من أوله دة!
أخذ يقارن هل الوقت الذى سيخيط فيه الزر أقل أم اكثر من الوقت الذى سيختار فيه قميص آخر و يكويه. ارتمى على الأرض ممسكاً بعصا مكنسة محاولاً دفع الزر فى اتجاهه و لكنه فشل، ففتح دولابه و اختارت عيناه قميص آخر بألوان مشابهة فجذبه من شماعته بطريقة عصبية ثم كواه و ارتداه، و انطلق مغلقاُ باب الشقة ورائه متجهاً إلى سيارته.
أمام باب العمارة، تحسس جيبه لإخراج سلسلة مفاتيحه و لكنه لم يجدها!
لجأ إلى حله الدائم، جارته التى تسكن الشقة المقابلة لشقته والتى تحتفظ بنسخة من مفتاح البيت كأمانة دائمة. طرق بابها بلطف لأنه متأكد أنها ما زالت نائمة، و بالطبع لم يجد إجابة، أعاد الطرق على الباب بطرقة أشد قليلاٌ ثم أشد إلى ان فتحت له.
- إيه يا ابنى فيه ايه خير، سرعتنى
- انا بجد آسف جداً يا حاجة، انا عارف انى صحيتك، بس أصلى نسيت مفتاحى جوة و انا مستعجل جداً، ممكن تدينى النسخة اللى عندك؟
- حاضر، قالتها بامتعاض و صوت مكتوم، يا ابنى انت تقريباً بتعمل حركة المفتاح دى كل أسبوعين، طب افرض انا مش موجودة لأى ظرف.
أخذت تنصحه انه يجب عليه ان يركز أكثر فى حياته، خطف المفتاح من يدها و أجابها على عجلة إن شاء الله إن شاء الله، إدعيلى انتى بس.
ركب سيارته و بعد سيره بها بمسافة قصيرة، توقفت.
نزل ليرى ما حل بها، و لكنه لم يستطع أن يعرف السبب، بالإضافة إلى أن ليس لديه وقت لمحاولة تصليحها. أخذ يبحث عن اى سائر ليساعده فى دفعها، لكنه لم يجد أى شخص. أخذ يدفعها وحده بصعوبة حتى ركنها جانباً فى مكان آمن.
استعجب هل الخروج إلى الشارع مبكراً يعنى خلو الشارع من المارة و مرور أعداد بسيطة من السيارات هكذا، و لماذا اليوم بالذات و كأن كل قوى الطبيعة اتحدت ضده. حمد الله أنه نزل من البيت أكثر من ساعة مبكراً بنية الوصول قبل مواعيد العمل الرسمية، و لكن بما حدث له، سيصل فى الميعاد بالظبط. أخذ يدعو ألا يحدث له أى شئ يعطله ثانيةً.
لوّح لأول تاكسى، و ارتمى على المقعد الخلفى معلناً له مكان اتجاههم
- و النبى بسرعة يا أسطى أحسن مستعجل
- حاضر يا أستاذ، ما تقلقش، احمد ربنا ان الشوارع فاضية، و بعدين معلش لا مؤاخذة السواقة بسرعة عمرها ما توصلك بسرعة، دى الحوادث اللى بنشوفها و الناس اللى بتموت كل يوم و هية ملهاش ذنب دى، تخلى الواحد يفكر ألف مرة قبل ما يزود سرعته عن 50. ما تزعلش منى اوعى تاخد كلامى بحساسية ولا حاجة، انا أد والدك برضك و لازم أنصحك، وانا عارف شباب اليومين دولة دايماً مستعجل فى كل حاجة، خلاص ما بقاش فى صبر.
- انتو الخير و البركة برضه، اكيد انت عندك حق.
لم يكن يستمع إلى ما يقوله السائق من الأساس، باله كان منشغل بشئ آخر، كان يخطط أنه فور وصوله سيذهب لمكتب مديره ليريه التزامه و يعتذر له طالباً منه أن ينسى كل ما مضى فى موضوع التأخير، و أن يفتح صفحة جديدة له.
- الناصية الجاية يا أسطى لو سمحت
مد يده للسائق بعشرة جنيهات و لكنه رفضهم
- المشوار دة مش أقل من 15 جنيه يا أستاذ
- ليه يعنى، دة احنا ما أخدناش تلت ساعة، و بعدين الطريق ما كانش زحمة. تذّكر أن لا وقت لديه للمناقشات، 15 15 أمرى لله، لم يجد فى محفظته غير ورقة بخمسين جنيه
- اتفضل و ادينى الباقى
- انا مش معاية فكة
- ولا انا، و ما عنديش وقت اضيعه أكتر من كدة، فهتاخد ال10 جنيه و انت ساكت!
لم يترك له فرصة للرد، رماها له على المقعد، و جرى هارباً و اندفع داخل المبنى، و على الباب استوقفه حارس الأمن
- إسم حضرتك؟
استغرب و سأله و هو يلهث:
- إسمى؟؟ انتو من إمتى بتاخدوا الأسامى؟
- احنا بنعمل كدة فى أيام الأجازات بس
اتسعت عيناه، و سأله بصوت مبحوح: أجازات؟! ليه هوة انهاردة إيه؟
- انهاردة عيد العمال حضرتك.
صراخ هنا .. و صراخ هناك
صراخ يُعلن موت جسد و انتهاء حياة
و صراخ يُعلن مولد جسد و بداية حياة
بكاء هنا .. و بكاء هناك
نفس القطرات و لكن بطعم مختلف
بكاء ينطق بالصدمة و الفقدان
و بكاء ينطق بالفرحة و السعادة
عندما يحتضر مريضى ..
أرغب فى قطع أى جزء من جسمى لأحافظ على أعضائه حية
أُشمّر عن ساعدىّ لأسحب كل دمى لأملأ عروقه أكون على أتم استعداد لأهدى نبضاتى لقلبه المتألم
و عندما يموت، أجرى بعيداً و أبكى
ألوم نفسى أنى قصرت فى علاجه أو مساعدته
أعاتبنى أنى لم أضع إبتسامة على وجهه قبل وفاته
أحزن و كأنه صديق، و اتألم لمن سيعذبون بفراقه
و يشاركنى دموعى الخواء و السكون
عندما أُولّد مريضتى ..
يملأ صوتى المكان بالكلمات و الأصوات المشجعة
أٍتمتم لها انى أكاد أسمع صوت وليدها و أنه فى الطريق
أجد روحى مليئة بألوان الطيف و النجوم اللامعة و الضحكات العالية
و عندما تظهر رأس الطفل، أصرخ من الفرح
أُجدد أحاسيسى بلمس بشرته الحريرية الملساء
أتخدر من شم أصابع قدميه و اتأمل حجمهما اللذى فى حجم عقلة أصبعى
أنظر إلى عينيه المغلقتين، و أخمن لونهما حتى قبل أن يفتحهما
أفكر له فى إسم يعجبنى انا، و أتبعه بالتفكير فى اسم التدليل
و أظل أشارك أهله فى لعبة إجابة السؤال الأبدى؛ هل يشبه الأم أم الأب
عندما أسمع العد التنازلى للأنفاس، أشعر بقوتى تذبل و تتلاشى
و عندما أسمع العد التصاعدى للأنفاس، أشعر و كأن حياتى بدأت للتو
هكذا يكون يومى دائماً؛ خليط متكرر من الصراخ و البكاء مع اختلاف المعانى و الأسباب، و بالرغم من أن هذه هى حياتى اليومية، لا تزال أذناى غير قادرة على تمييز هل تلك الأصوات هى من هنا أم من هناك.
ظللنا نتمتع بحرية تحرك كاملة منذ انتقالنا لمسكننا الحالى، لخلو الشقة أسفلنا من السكان، فلم نكن أبداّ نفكر بأن علينا تجنب تحريك أى كرسى أو تجنب سقوط أى شئ على الأرض فى الساعات المتأخرة من الليل، أو أن علينا أن نوقف الأطفال من جريهم و تخبيطهم المعتاد، أو أن علينا مراعاة ألا يكون صوت التلفاز مرتفع.
علٍمنا من رئيس مجلس إدارة العمارة أثناء دفعنا للاشتراك الشهرى أن ساكنة جديدة ستنتقل إلى تلك الشقة أول الشهر، و أنها سيدة مسنة و أن علينا أن نرحب بها و كلام شبيه. أيقننا حينها أنه يجب علينا مراعاة الهدوء فى أسلوب حياتنا فى الشقة.
رجعت من العمل يوماُ لأجد رسالة من الساكنة الجديدة مُثبتة فى بابى، مفادها أنها ترجو منى عدم نشر الغسيل و هو مبتل و أن علّى عصره جيداً و تركت رقم هاتفها. استعجبت بشدة لأن غسيلى على الحبل منذ يومين و كسلى فقط هو ما منع تجميعه. نزلت لأشرح لها الموقف و أدافع عن نفسى. رننت الجرس مرتين و لم تفتح لى بالرغم من سماعى لصوت تلفازها. صعدت مرة أخرى و حادثتها تليفونياً و طلبت منها أن تفتح لى الباب لنتناقش و فعلَت. اعتذرت لى أنها لا تفتح الباب لمن لا تعرفه، و تعرّفنا ببساطة على بعضنا البعض لأول مرة.
حكت لى أنها انتقلت إلى تلك الشقة لأنها صغيرة و تكفيها وحدها بدلاً من شقتها الواسعة التى لم تعد بحاجة إليها بعد سفر ابنتها و وفاة زوجها.
سيدة فى السبعينات من عمرها، ذات جسم صغير و ملامح دقيقة، شعرها فضى لامع منسدل على كتفيها، وجهها أبيض يشوبه الحمرة، تشبه السيدات الأتراك نوعاً ما. تستطيع ان تستنج مستوى تعليمها من كثرة الكلمات الإنجليزية و الفرنسية فى حوارها، و التىتنطقها بسلاسة و تلقائية شديدة.
شرحت لها موقف الغسيل و بدأ الحوار ..
انا: حضرتك انا غسيلى على الحبل بقاله يومين أصلاُ فمستحيل أنه يكون نّقط على غسيلك انهاردة الضهر
هى: انا خرّجت البطانية الصبح علشان تتهوى، جيت أشيلها الساعة اتنين الضهر، لقيتها غرقانة، رفعت راسى لفوق فشفت غسيلك بينقط، حتى كانوا حبة على اليمين و بعد شوية زادوا و بقى فيه على الشمال كمان
انا فى ذهول تام و محتفظة بهدوئى: إذا كنت انا ببقى فى الشغل من تمانية الصبح و ما برجعش إلا خمسة، و الأولاد بيبقوا فى المدرسة برضه تقريباً فى نفس اليعاد.
هى: يبقى ما تأخذنيش، ممكن يكون جوزك
انا: ما هو جوزى برضه فى شغله طول اليوم، و بعدين ما تقلقيش هوة ملوش دعوة خالص بنشر الغسيل
و أخذ الحوار الكثير من الوقت الذى لم اتوقعه، و دخلنا فى مهاترات و توقعات و لم نتفاهم، فهى تتكلم كثيراُ و تسمع قليلاً؛ عنيدة الشخصية. اضطررت أن أنهى النقاش و أن أعٍدها أنى لن أفعل ذلك مجدداُ. خرجت من شقتها و كلى فضول أن أعرف أكثر عن حياة تلك السيدة.
كل صباح، تنثر خديداتها الصغيرة عل طرف شباك غرفة نومها، و كذلك تفرد بطانيتها المشجرة على منشر الغسيل لينالوا قسطهم من الشمس و التهوية.
يتدلى من شباك مطبخها فروع فواكه و خضراوات بلاستيكية الشكل، أما فى شرفتها، تجد تلك الأصارى البلاستيكية المُثبتة فى سور الشرفة، و التى تحتوى على زهور من كل الألوان و الأشكال، بالإضافة إلى زرع اللبلاب الملفوف حول السور.
أثناء نزولى لتوصيل أطفالى لأوتوبيس مدرستهم فى السادسة و النصف صباحاُ، أسمع ما تجود به إذاعة البرنامج العام من بيتها؛ نجاة، عبد الحليم، شادية، فريد، صباح، محمد فوزى أو القرآن الكريم أحياناُ، و تظل الاغانى تشدو حتى ميعاد نزولى أنا و زوجى إلى عملنا فى الثامنة صباحاً.
بدأت ألحظ أيضاُ الأشياء البسيطة فى حياتها، فمثلاُ لون منشر الغسيل برتقالى، و أتوقع أن هذا اللون تحديداً لم يأت صدفة و إنما هو من اختيارها الشخصى.
المشاية أمام باب شقتها، بالرغم من أنها تبدو عليها القدم، إنما تحتفظ بألوان زاهية تلفت إليها أى عين.
تتكون من ألوان عديدة و أشكال غير منتظمة، دوائر و نقط من الأصفر و الأحمر و الأخضر و الأزرق.
لا أمر يوماً من أمامها إلا و تتأملها عيناى ُمحاولة أن أستوعب معنى رسوماتها، و لكنى أفشل و أفكر أنى لو كنت أمتلكها، ما كنت لأتركها على الأرض، سأضعها فى برواز خشبى أسود و سأعلقها على الحائط كلوحة سريالية مُبهرة.
أمام بابها أيضاً تترك اللبن لقطة العمارة فى وعاء صغير لم أرى فى جماله مِثل؛ أبيض اللون بزخارف صينية منمنمة و مرسومة بدقة شديدة باللون الأزرق، من المؤكد أنها صنع يدوى.
و مثلما تمنيت المشاية، تمنيت أن أقتنى ذلك الوعاء، و استنكرت جداُ فكرة أنها ترميه هكذا على الأرض و للقطة، بل إنه يستحق أن يوضع فى دولاب الفضيات كتحفة فنية و يُسلّط عليه إنارة داخلية.
الورقة المثبتة على باب الشقة التى تُكتَب عليها البيانات الشهرية للكهرباء و الغاز، ملونة و مليئة برسومات عصافير و نجوم، حتى رقم الشقة عبارة عن قطعتين خشبيتين متطابقتين من الرقم ثلاثة.
بالرغم من أن كل تفاصيل حياتها تدل على الأرستقراطية، إلا أنه لا يخلو يوم من سماع صوتها العالى؛ إما مناداتها لبائع الجرائد أو بائع الفول، أو مشاجراتها مع البواب لأى سبب، أو صراخها للأطفال الذين يلعبون الكرة فى الجراج، أو شكواها المستمر للجيران من الحياة الصعبة أو الصحة ُالتى ذهبت.
لاحظت لخمسة أيام متتالية أن المشاية لم تعد أمام الباب و أنى لم أعد أسمع صوت الراديو صباحاً، فقلِقت. أطرقت بابها و لكن لم يفتح أحد، سألت من تسكن بجانبها فعلمت ان ابنتها رجعت من السفر و أخذتها لتعيش معها.
بالرغم من رجوع الأطفال للدبدبة و الجرى كما يشاءوا و فى أى وقت، و بالرغم من أننا لم نعد نكترث بأى إزعاج قد يصدر مننا فى ساعات الليل، إلا أننى شعرت بإحساس غريب من الشجن عندما رأيت فرع الفواكه المتدلى من شرفة المطبخ يكسوه التراب و بالرغم من أنى لست من النساء ذوات المشاعر المرهفة، لكننى فعلاُ افتقدت كل تلك الأشياء البسيطة التى عايشتها معها، و من يومها أصبحت إذاعة البرنامج العام تشدو كل صباح فى سيارتى.
أستيقظ على صوت هاتفى، أُغلق رنينه و أجد رسالة تُُذكرنى بأن اليوم عيد ميلادك. تذكرت الآن فقط أن فى مثل هذا اليوم من العام الماضى أضفت مُنبه على الهاتف ليذكرنى كل عام بعيد ميلادك. لم أكن لأنسى اليوم بالطبع، و لكنى أحببت فكرة أن فى الأعوام القادمة سأجد دائماٌ ما يُذكرنى بأول عيد ميلاد لك معى.
أحب فكرة تصادف يوم عيد ميلادك مع اليوم الجمعة، ذلك معناه أننا سنقضى اليوم كله معاً.
أمنع نفسى من أن أكلمك أو أسمع صوتك، سأُُدخر كل اشتياقى إليك إلى موعدنا عصراً، أنظر إلى الساعة و أتمنى أن أُغير عقاربها بيدى ليجئ الميعاد سريعاً.
قبل أى شئ، أتصل بمطعمنا المفضل لحجز الغذاء، أحجز مكانين بإسمك.
أتناول قهوتى الصباحية و ذهنى مشغول بالمقارنة بين كل الأفكار التى خطرت لى لهديتك، كتاب جديد؟ أهديتك كتب كثيرة، محفظة جلد؟ تمتلك محفظة أنيقة جداً، عطر؟ أُحب أن أؤجله لما بعد زواجنا، قميص؟ أخاف أن أُخاطر فى مسألة المقاس و التبديل، ما أصعب هدايا الرجال!
أؤجل القرار حتى أفكر أكثر و أنا أجهز للنزول.
تلقائياُ، تمتد يدى فى دولابى إلى الرداء الذى تحبنى فيه، البلوزة البيضاء الحريرية ذات الأكمام الضيقة و الجونلة السوداء البليسيه، قلت لى آخر مرة رأيتنى به أنك تتمنى أن أرتديه طوال الوقت.
آه، وجدتها! كم أكره رابطة العنق التى ترتديها مع بدلتك الرمادية اللون، كئيبة و قديمة، غضبت منى عندما قلت لك هذا التعليق عنها، لكنى متأكدة أنك ستفرح عندما أفاجئك برابطة عنق بدلاً منها، سأقنعك بسهولة بأنها ستبدو عليك أجمل لأننى اخترتها لك.
أدخل المحل و أحاول تذكر درجتك الرمادية على قدر المستطاع و أحتار بشدة ماذا أختار، الإغراءات كثيرة، الرمادية العريضة أم الفضية الغامقة السادة أم الرصاصية اللامعة أم السوداء المقلمة بخطوط رمادية، أتخيل الأخيرة فوق قميص أسود فتروق لى جدا و أنتزعُها بلا تردد. بعد دفع قيمتها، أدسها فى حقيبتى و أنطلق إلى مكاننا سريعاُ.
أصل إلى المطعم و أنطق اسمك للوصول لمكاننا، أجلس و أنتظرك، و أتخيلك أمامى و اسألك ماذا تحب أن تاكل و أقترح لك و تقترح لى ..
- تحبى تعملى الأوردر دلوقتى ولا هتستنى اللى مع حضرتك
- هطلُبلنا، لو سمحت طبق مكرونة بالريحان و طبق ستيك مشوى بالمشروم (طبقك المفضل).
أداعبك: "هتفضل تاكل مشروم فى كل حاجة كدة؟ شوية شوية هتقولى لازم نزرعه فى بيتنا؟ "، نضحك كثيراُ و نتحدث كثيراُ و نبتسم أكثر و أكثر. تقطع لى قطعة صغيرة من اللحم من طبقك و تُعطنى الشوكة، أتذوقها و أُثنى على جودة تسويتها و طعمها. أُخبرك أن بدون أى مجاملة و حقيقى حقيقى، الأكل معك له مذاق مختلف. أنتهى من مكرونتى و أُطلب الحساب، و أطلب ان آخذ الستيك تيك أواى.
أخرج من المطعم و أتمشى قليلاً ثم تبدأ السماء فى التنديع، أستمر فى سيرى أحاول الاستمتاع بتلك المطرة الخفيفة و لكنها تشتد و تشتد، لا أريد العودة إلى المنزل الآن و لا أستطيع السير فى هذه المطرة فى نفس الوقت.
أدخل سيارتى و مع صوت تشغيل المحرك، أرمى رأسى على الدريكسيون و أنهار فى بكاء هستيرى من النوع الثقيل، أنظر يمينى و يسارى لأتاكد أن لا أحد يلحظنى ثم أدفن رأسى بين يدى و أبدأ فى إخراج كل الآهات، علا صوت نحيبى جداُ و لم أدرك كم مر من الوقت و أنا أبكى، و لكنى عندما رفعت رأسى، رأيت سيول من المياه، لم أستطع أن أُميز إن كنت ما أراه من سيول، من دموعى التى تملأ عيناى أم من مياه المطر على الزجاج الأمامى للسيارة.
هل جُننت حقاُ؟ لقد انتهت خطوبتنا من عشرة أشهر و لكنى لا أصدق هذا إلى الآن.
أشعر فقط و كأنك غائب عنى لسفر طويل و أن هذا شئ مؤقت، و لهذا أنا أقابلك و أُحدثك كل يوم كما كنا و كما سنبقى!
هل تدرى أنى منتظمة بالاحتفال بكل مناسباتنا وحدى؟
هل تدرى أنى أكتب لك كل يوم، أحكى لك كيف كان يومى، ماذا فعلت فى العمل، من هاتفنى، من ضايقنى، ماذا اشتريت، ماذا أكلت؟
هل تدرى أنى أستمع دوماً إلى الأغانى التى طالما استمعنا إليها سوياً، و أكرر مشاهدة الأفلام التى طالما شاهدناها سوياً؟
هل تدرى أنى صادفت شبيهين لك، صبى تخيلته ابننا، و كهل تخيلته أنت فى عمرك المتقدم؟
هل تدرى انى لم أمح رقم هاتفك من الإتصال السريع (السبيد دايلز) حتى الآن؟
فى العشرة أشهر، فى كل يوم، لم يقل احتياجى إليك ابداً، لأنك أمامى طوال الوقت.
عندما أتوه فى الوصول لطريق ما، أريد أن أتصل بك لأسألك إلى أى جهة أتجه.
عندما أستيقظ، أريد أن أكون أول من يقول لك صباح الفل و أن أكون آخر من يُسمعك "تصبح على خير"، مع أنها كلمات بسيطة.
عندما أقرأ مقالة أو كتاب، أريد أن أرشحه لك و أشجعك على الانتهاء من قراءته لأناقشه معك و لأسألك فيما لم أفهمه منه.
عندما حصل حادث بسيط لسيارتى، أول شئ فعلته تلقائياً أنى اتصلت بك و لكنى أغلقت الخط قبل أن يرن الجرس.
عندما أمُر قريباً من منزلك أو من عملك أو حتى من القهوة التى تجلس عليها، تمسح عيناى المنطقة آملة أن أراك من بعيد و لكنى لا أجدك.
عندما أكون فى السوبر ماركت، أشترى لك بسكويت لووكر بالبندق و توبليرون بالشيكولاتة البيضاء، أكيد لن يصدقنى أحد أنى أحتفظ بهم كلهم فى درج فى مكتبى.
عندما أقابل شخصاً يعمل فى نفس مكان عملك، أسأله هل تعرف .. ثم أخترع أى اسم.
عندما يتملكنى الحنين، أصرخ فى داخلى متى سينتهى بُعدَك عنى، و أظل أشتاق إليك حتى تعود.
يتصل بها فى عملها صباحاً
- عندى خبر حلو و وحش فى نفس الوقت
- خير؟
- مديرى رشحنى أروح تدريب، التدريب دة بيتكرر كل كام شهر و انا نفسى اروحه بقالى فترة
- طب دة خبر جميل جداً، و الوحش فى كدة؟
- انه لمدة تلات أيام و ...
- و إيه؟
- و برة القاهرة و هيبتدى من انهاردة، هنسافر كمان ساعتين
- اممم .. يعنى هتبات برة البيت؟؟!؟
- احم احم .. غصب عنى، دى فرصة كويسة جداُ
- ...اه أكيد .. ماشى .. طب .. طب هوة ما ينفعش ترجع البيت بليل و تسافر الصبح؟
- ما ينفعش، الطريق طويل جداُ و هيبقى مجهد جد..
- عندك حق .. انا بس مش متخيلة الفكرة .. هننام بعيد عن بعض .. دى أول مرة تحصل من ساعة ما اتجوزنا
بعد العمل، قضت كل المشاوير التى كانت تؤجلها من حين إلى آخر، و تعمدت التأخير حتى ينتهى وقت الليل على قدر المستطاع.
ما ان دخلت البيت، انارت جميع الغرف لتتغلب على أى إحساس بالخوف ربما يباغتها. ادارت الكاسيت على صوت أم كلثوم، هو لا يحب أم كلثوم بتاتاً، يقول لها "ابقى شغليهها وانا مش موجود فى البيت".
اخذت تفكر فى كل الطرق التى ستجعلها تشعر أنه ليس بعيد عنها ..
ارتدت بيجامته و اضطررت ان تثنى الكم اربع ثنيات و الرجل خمس ثنيات، و لكن لم تجد حل للوسع إلا بارتداء حزام.
اختارت عطره المفضل لديها، و نثرت منه على وجهها و ملابسها، نثرت كثيراً حتى خافت أن تُنهى ما تبقى منه.
قررت أن تسهر كثيراُ حتى تسقط من النوم، و فعلاً جهزت كوب نسكويك ساخن، و دخلت السرير، لفت نفسها بالبطانية، ارادت أن تشعر بالدفء الكامل، فلن تستطيع الليلة أن تطلب منه بصوت مرتعش "انا بردانة أوى، دفينى"، و لن تستطيع غمس وجهها البارد فى حضنه، أو تشبيك أصابعها المثلجة فى يديه.
استنكرت أنها ستمر بليلة أخرى بدونه و استسخفت تهويلها للأشياء و نهرت نفسها "ما تجمدى شوية، أمال هتعملى إيه لو جاله سفر شهر مثلاً!"
أخذت تُكمل قراءة الرواية اللتى بدأتها مؤخراً إلى أن انتبهت على صوت أذان الفجر، و وجدت نظارتها مٌلقاة جانباً والكتاب على يمينها، توضأت و صلت ثم ارتمت على وسادته، و تمنت أن يجئ فى أحلامها.
بما ان واجب العزاء أصبح من دواعى المنظرة الإجتماعية، إليكم النصائح الوافية الكافية لتأدية هذا الواجب.
نصائح لمقيم العزاء؛
- لتحديد مكان العزاء؛ يجب أن تختار مكان يليق بك و بالعائلة الكريمة. أشهر جوامع و دور مناسبات هى "الحامدية الشاذلية بالمهندسين" للإعلاميين، و"عمر مكرم بميدان التحرير" للسياسين، و"عمر بن عبد العزيز بمصر الجديدة" لرجال الأعمال. ومؤخراَ تعتبر دار مناسبات الشرطة بصلاح سالم من أحدث الأماكن لإقامة عزاء فاخر.
- فى حالة أن قررت العائلة إقامة العزاء فى البيت؛ قم بتأجير طقم سفرجية، يرتدون نفس الزى بملابس مهندمة و نظيفة.
- إختر أشكال وألوان الفناجين لتكوم متلائمة، و لا تنسَ الكؤوس الكريستال و جّهز صوانى الفضة اللامعة أو قم بتأجيرها.
- تأكد من توفر بن فاخر وشاى بنكهات، بالإضافة إلى أحجام متعددة من عبوات المياه الباردة وغير الباردة.
- النعى يجب أن يكون عمود طويل فى جريدة الأهرام و بخط كبير. الصحف الأخرى مثل الاخبار، الوفد، أو الجمهورية لا تليق. اذكر فى النعى جميع أقارب المتوفى خاصةً من له مركز أو يعمل بمكان مرموق.
ان كان أطفال العائلة فى مدارس أجنبية اذكرها، و كذلك أسماء الجامعات الخاصة لشباب العائلة.
- إن كان العزاء فى منطقة شعبية، يجب تأجير سرادق كامل، سجاد و كراسى و ترابيزات و مفارش، و تأجير مُقرئ مشهور، وكذا يجب تعليق ميكروفونات فى كل المنطقة .
نصائح للمُعزى؛
- إختر أفخم سيارة سوداء تمتلكها للذهاب للعزاء، و ارتدِ بدلة سوداء أنيقة و ربطة عنق لامعة.
لا تنسَ علبة السجائر الدافيدوف أو السيجار الفاخر. بالرغم من ضبط محمولك على الرنين الصامت، احرص على وضعه فى مكان ظاهر.
- للسيدة، إحرصى على لبس أشيك رداء أسود، فستان، بدلة أو عباءة. ارتدى قدر استطاعتك من الحلى اللامعة والماسية و لا تنسى العطر الجيفنشى.
- و للفتاة، حذائك يجب أن يكون بكعب عالى مسموع الصوت، و بوز مدبب أو هاف بووت، و يفضل أحياناً البووت الطويل على جونلة سوداء قصيرة.
ان كنتِ غير محجبة، احرصى على الذهاب لمصفف الشعر قبل الذهاب للعزاء، و إن كنت محجبة، ألوان إيشاربك يجب أن يغلب عليها الأبيض.
هذه المناسبة تعتبر تجمع لكل العائلة والأصدقاء، فيجب أن تظهرى فى أحلى و أشيك حال.

أصل إلى المسجد النبوي فى المدينة المنورة، ورغم ما أراه من اختلاف الأجناس والأشكال من حولي، يغمرني إحساس غير مُبَرر بالدفء و الصفاء و سكينة لا تستطيع وصفها.
تحمل بعض أبواب المسجد النبوى إسم خليفة من الخلفاء الراشدين، فمِن أبواب السيدات؛ باب عمر و باب أبو بكر و باب على.
تقف على تلك الأبواب المخصصة للسيدات، الفتيات المشرفات على المسجد النبوى، يلبسن نفس الزى؛ الإسدال الطويل الأسود و النقاب على الوجه (حتى داخل حرم السيدات فى المسجد)، و توجد شارة على الكتف الأيمن من الإسدال مكتوب عليها:
الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام و المسجد النبوى
و كالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوى
إدارة التوجيه و الإرشاد النسائي
هؤلاء الفتيات يتكلمن جميع اللغات لتتمكنن من التعامل مع معظم الجنسيات، و هن مسئولات عن:
- تنظيم دخول السيدات اللاتي يصطحبن أطفال، ممنوع تواجدهن فى غير الساحات المخصصة لهن
- تنظيم الصفوف و إرشاد السيدات وقت الإقامة إلي الأماكن التى تستوعبهن
-التفتيش على أبواب المسجد، ممنوع منعاً باتاً دخول الكاميرا، المحمول بكاميرا و المشتروات.
حواري معهن مع الدخول لكل صلاة، بعد تفتيش الشنطة:
هى: معاكي جوال؟
انا: مفيهوش كاميرا
هى:أشوفه
تلقى نظرة خاطفة، ثم تسمح لى بالدخول، أحياناً كانوا يثقن فى كلامى و لا يطلبن رؤيته.
بعد صلاة الفجر و فى الساعة الخامسة و النصف صباحاً، تظهر تلك الفتيات فى المسجد، و تحمل بعضهن لوحة خشبية بإسم البلاد كما سيلي. تبدأن فى تقسيم جميع السيدات إلى مجموعات على حسب البلد، التقسيمات كالتالي بترتيب الجلوس من اليمين إلى اليسار:
1- مصر: ثاني أكبر عدد حضور فى الحرم، على غير المتوقع، التزمت المصريات مع اختلاف منابعهم بالنظام و الهدوء و الرزانة إلى حد كبير. أعترف أنى لم أتوقع هذه السلوكيات تماماً، و لكن ما رأيته جعلني متفائلة. عندما كانت المصرية تبحث ما بين اللوحات المرفوعة على اسم مصر و تجده، تفرح و تُشير لمن معها بيدها صائحة "المصريين أهمّة"
2- دول الخليج: عددهن قليل جداً.
3- بلاد الشام: بنات ناس بما تحمله الكلمة من كل المعاني، أخلاق و أدب، ابتسامات دائمة و وجوه مشرقة، هدوء و نظام، يتوددن إليك للتعارف و يدخلن القلب بسلاسة شديدة.
4- باكستان: متضمنة الهند، ردائهن يميزهن دائماً ، بجانب شئ آخر .. كلهن رائحتهن كريهة للغاية، أصعب صلاة هى التى تؤدَى بجانب إحداهن.
بعض الهنديات كن يكلمن بعضهن أثناء الصلاة فجأة ثم يُكملن الصلاة و كأن شيئاً لم يكن.
5- اندونيسيا: متضمنة ماليزيا، أكثر السيدات هدوءأ، لم أسمع صوتهن مرة واحدة، يلبسن جميعاً طرح بيضاء بأستك يُلَف من الخلف، مكتوب "ماليزيا" على الطرحة من الخلف. تجدهن فى أول الصفوف دائماً و لا تسمع صوتهن بتاتاً، أعتبرهن الجنسية الوحيدة التي لم أسمع لغتها. تستطيع أن تستشعر حبهن و حنانهن تجاه بعضهن. ما بين أوقات الصلوات، البعض يُرحن رأسهن على أرجل أخريات و يٌرَبَتن على رأسهن بحنان، يساعدن بعضهن فى دعك الرقبة و الكتفين و أعمال المساج المختلفة. أعجبونى كثيراً.
6- تركيا: معتدلات، أشبه بسيدات مصر فى السلوكيات.
7- فارس: الإيرانيات هن الأكثر عدداً و الأكثر اهمالاً و الأكثر عنفاً و الأكثر ازعاجاً، ينقسمن لنوعين:
السيدات ذوات الأعمار المتوسطة 40-50، معظمهن ممتلئ الأجسام و أصواتهن مرتفعة دائماً، و كبار السن يشبهن الساحرة الشريرة فى أفلام الرسوم المتحركة، أنوف مدببة، أجسام رفيعة و لكن يمتازون بقوة جسدية غريبة، يخترقن صفوف الصلاة بأكتافهن و يزاحمن الرجال.كنت ضحيتهن فى الروضة، اعتصرونى بينهن.
تبقى فتاتان مع كل مجموعة، الفتاة التى تحمل اسم البلد و فتاة تقوم بإعطاء درس صغير لمدة 45 قيقة، وهذا يكون الوقت الوحيد الذى تخلع فيه الفتاة نقابها.
يمر الدرس على تاريخ الروضة و زيارة القبور و ما الصحيح و ما المنهى عنه، و يشددن فى النهى عن التبرك بالمكان و الأفعال المبالغ فيها مثل التمسح بعواميد المسجد و الأرض. توقعت أن أجد كلام وهابي أو سلفى بما أنى فى السعودية، و لكني الحقيقة أنى و جدت كلام عقلانى جداً.
بعد الدرس ، تقف السيدات جميعاً متأهبات حتى تنفتح الأبواب في السادسة و النصف، نجلس في مجموعات بلادنا فى الساحة الكبيرة أمام الروضة، و بترتيب البلاد، تدخل السيدات على دفعات إلى الروضة لصلاة الركعتين و الدعاء. يوجد مكان منفصل للسيدات على الكراسى المتحركة تُشرف عليه فتيات منفصلات، منعاً للتزاحم.
يوجد مخارج بعيدة عن المداخل للنظام، و يستمر الحال هكذا حتى تُقفل الأبواب للسيدات فى التاسعة و النصف صباحاً.
يوجد ماء زمزم في كل مكان فى المسجد، كولمن كبير فى كل زاوية، على يمينه حامل لأكواب بلاستيك نظيفة، و على يساره حامل للأكواب المستعملة، يوجد ماء مُبَرد و ماء غير مُبَرد. تقوم عاملات النظافة بمسح أي نقطة ماء تقع على الأرض كل 10 دقائق تقريباً، مع رمى المستعمل من الأكواب و تزويد ما نَقُص منها.
كما توجد المصاحف (صغيرة الحجم أو كبيرة) في كل ركن، تقوم عاملات النظافة بتجميع ما تركه الناس من مصاحف كل خمس دقائق مع تجميع حاملات المصاحف الخشبية أيضاً.
من كل جنسيات العالم التى تسير بجانبهم طوال يومك، ستجد كثير من "الوجوه" التي تشبه أحد من أصدقائك أو أهلك أو جيرانك تماماً، ازداد إيمانى بالمثل القائل "يخلق من الشبه أربعين".
تصوير Eman M
اشتريت موبايل جديد، علشان موبايلى انكسر، و ما عرفتش إزاى أنقل الاسماء و الأرقام من الجهاز القديم للجديد. رحت لمحل الموبايلات اللى ورا بيتنا علشان ينقلى الحاجة... حكيتله الحكاية ...
- بسيطة ان شاء الله، النمر سهلة تتنقل، لكن الرسايل مش هتنفع
- الرسايل مش هتنفع ليه؟! انا أصلاً مش فاكرة انا محتفظة برسايل إيه
- طيب، خدى بصى عليهم الأول
فتحت أقدم رسالة موجودة: "ما كنتش عايز انهاردة يخلص بجد، كنت مبسوط و انا بتكلم معاكى، كنت مبسوط و انتى بتحكيلى و كنت مبسوط طول ما عنية شايفة عنيكى العسلى الجميلة دى. انا فعلاً عايز اعيش معاكى علطول" - 12 مارس 2005
يااااه، دة كانت تانى يوم خطوبتنا الله يرحمها، اليوم دة كان جميل أوى فعلاً .. القصة كلها كانت جميلة .. كانت .......
- يا آنسة؟ يا آنسة؟
- انا أسفة .. ممم .. مش عايزاهم .. امسحهم كلهم.
أحلم كل ليلة أحلام غريبة، مليئة بتفاصيل و شخصيات لا تمت للواقع بصلة، ممتلئة بخيالات و ابتكارات و أشياء مسلية. فكرت عدة مرات فى كتابة قصص معتمدة على ما أحلم به، لكنى واجهت مشكلة كبيرة، أنى لا أستطيع تذكر أى تفاصيل من الحلم بعدما أستيقظ بدقائق أو ثوانى.
جربت تجهيز ورقة و قلم بجانب وسادتى لكى أصحو من الحلم لأكتبه فى الحال. نجحت فى ذلك مرتين فقط.
المرة الأولى كانت بعد الحلم مباشرة، فتحت عيناى فتحة بسيطة و أدركت فى ثوانى أنى انتهيت من الحلم فى التو، كانت الساعة حوالى الرابعة فجرأ، انتفضت فجأة من السرير و أمسكت بالورقة و القلم و كتبت كل ما استطعت أن أتذكره، كنت أكتب بسرعة رهيبة خوفاً من أن أنسى نهاية الحلم قبلما أنتهى من سرده.
أتخيل أنه يوجد جهاز فى مكان ما قادر على تسجيل الأحلام صوت و صورة، و أنى عندما أستيقظ أشاهد أحلامى كفيلم فيديو.
لو كنت أملك مالاً لاستأجرت مخترع بارع لإختراع ذلك الجهاز لى، فمعظم الأحلام أريد أن أراها ثانية، و أحلام مُعينة أتذكرها من الحين للآخر، و أتمنى لو أحلمها مجدداً.
حلمت اليوم بالنوتة اللاسيلكية، هكذا أسميتها، كان أحمد يكتب بعض الخواطر فى نوتة بقلم رصاص، و أجلس انا فى مكان بعيد جداً عنه و معى نسخة من نفس النوتة. أرى كل حرف يكتبه أو يمسحه كأنه يكتب أمامى .. اختراع جميل، الحمد لله ان ذاكرتى احتفظت بذلك الحلم إلى ان اكملت حكايته الآن :)
أتمنى أن أتذكر الأحلام دائماً بعد الاستيقاظ .. ماذا أفعل؟
ليه لازم الواحد يشتكى علشان الناس تحس بيه؟
و هما هيعرفوا إزاى انك تعبان لو انت ما قلتش؟
و يعرفوا إزاى انك متضايق و انت على وشك ابتسامة ؟
و يحسوا بيك إزاى لو انت اللى دايماً بتسأل عليهم؟
رسمت قلبى على أسفلت الشارع بالطباشير، ما أجمل قلبى بلونه الأبيض و هو يلمع على أرض حالكة السواد.
ابتعدت و جلست على الرصيف أشاهد السيارات تدهسه واحدة تلو الأخرى.
كلما مرت سيارة عليه، شعرت بنغز سهم صُوب إلى قلبى وسمعت صدى صوت صرخاتى المكتومة، و كلما بهت الرسم، قمت و رسمته من جديد، و يتكرر النغز والصدى وعيناى ذابلة بلا حراك.
غباء هو ما أفعله و لكنه ليس أقل غباء من تسليم قلبى إليك.
الفكرة مستوحاة من مينينجليس لاينز
صديقتى، لماذا تُدخلين مصطلحات كبيرة فى علاقتنا مثل التضحيات و التنازلات؟
ليس معنى أنى فعلت شئ لا أحبه من أجلكِ، أنى ضحيت أو تنازلت.
يمكننى أن أفعل شئ رغماً عنى، فقط لأجلك، فقط لأرضيك، فقط لأرى ابتسامتك .. أو فقط لأنى أُحبك!
لما كنت بتمشى فى الشارع أو تعديه، كنت بتلعن اللى سايقين عربيات
و لما بقى عندك عربية و بتسوق، بقيت بتلعن اللى ماشيين فى الشارع
حصل إيه يعنى إن الطبق الصينى انكسر و أنا بغسله ، اتزحلق من إيدى و هية مليانة صابون.
و مش مشكلة أوى إن الجيران شموا ريحة الأكل بعد ما اتحرق، أنا كنت سايباه يسخن و التايمر هو اللى ما رنش.
و فدايا القميص اللى اتحرق و أنا بكويه، ما اخدتش بالى إن المكواة متسابة على درجة عالية كدة.
ومش كارثة يعنى إن الشراب وقع منى و أنا بنشر الغسيل، إيدى اتهزت فجأة و ما لحقتش أمسكه و هو صغير كدة.
و الدنيا ما اتهدتش لما بلوزتى البيضة أم وردات زرقاء طلعت سودة من الغسالة، ما توقعتش إن البنطلون الأسود ينّزل لون بالشكل دة.
و مش أزمة إن الشوربة طلعت حادقة أوى كدة، أنا قلت أزود الملح سنة علشان تبقى حلوة.
آه كان مؤلم أوى لمّا وقعت من على الكرسى و أنا بنضف نجفة الصالون.
و لمّا دخلت فى صباعى بالسكينة الجديدة الحامية و أنا بقطّع البصل.
و يا حرام لّما الزيت طرطّش عليّة و هو بيغلى، و أنا بقلى البطاطس المحمرة.
لكن كلها حاجات طبيعية بتحصل كل يوم و لكل واحدة، ولا يهمنى، فى الأول و فى الآخر، أنا ست بيت شاطرة ... و لهلوبة كمان!
يبدأ فى كتابة قصة جديدة، و يستمر فى كتابتها عدة شهور، و عندما ينتهى منها، لا يجد لها عُنوان يلائمها. يضع إختيارات كثيرة و لكنه لا يجد منهم ما يُعبر عن قصته، يضعها فى درج مكتبه إلى أن يجد العُنوان المناسب. يبدأ فى كتابة قصة جديدة، و ينتهى به المطاف إلى ما آلت إليه القصة السابقة.
امتلأ درج مكتبه بعدد من القصص ليس لها عُنوان، تأملهم بنظرة طويلة، ثم مزقهم جميعاً.
يتسببون فى نزف أول قطرات من دمها ليثقبوا أذناها عند ولادتها .. لأنها امرأة
يمنعونها من أن تلعب مع أولاد الجيران أو أن تذهب معهم إلى المدرسة .. لأنها امرأة
لا يمكنها الجلوس فى الحدائق و تسلق الجبال و البيات فى الصحراء وحدها .. لأنها امرأة
ينظرون لملبسها و حجم أنفها و لون عينيها بدلاً من عقلها وأفكارها واقتراحاتها .. لأنها امرأة
لا تستطيع أن تتمشى ليلاً لتستمتع ببعض الهواء، خوفاً من المضايقات والقيل والقال .. لأنها امرأة
تُلطخ وجهها بمساحيق و طبقات من الألوان لتبدو أجمل مثل فلانة وعلانة .. لأنها امرأة
تتَبع أنظمة غذائية قاسية لتتفادى بضعة جرامات لأنها يجب أن تكون فى نحافة عمود النور .. لأنها امرأة
تُغرق شعرها بالعسل و اللبن و الكيماويات الضارة وتذهب لمصففة الشعر المزعجة كل أسبوع .. لأنها امرأة
تتظاهر بعدم ملاحظتها نظرات زوجها للنساء الأخريات و شغفه بمتابعة الأغانى المصورة .. لأنها امرأة
لا تجد غير نظرات الإستخفاف و الإستنكار أو الشفقة حين تبكى .. لأنها امرأة
ينفر زوجها من الندبات التى تركتها السكاكين و المكواة على جلدها من الأعمال المنزلية، و من ترهل جسدها بعد الولادات المتكررة .. لأنها امرأة
يكذب عليها و يضربها ويُخطئ و ويُخطئ ويُخطئ وتسامحه .. لأنها امرأة
تُنسب تقاريرها الناجحة لمديرها فى العمل و تتعطل ترقيتها فى حالة أنه منصب إدارى .. لأنها امرأة
مطلوب منها أن تقوم بعشرة أدوار بدايةً من طباخة و غسالة و مُدللة و نهايةً بمديرة وزوجة و أم و حبيبة .. لأنها امرأة
كل ما ذُكر لا علاقة له بأنها خُلقت امرأة و لكن لأن المجتمع يقول أنها امرأة
كلنا ليلى
ملحوظة: تم نشر هذه الكلمات من قبل.
يوم مع البحر و الناس اللى ع البحر
أم قاعدة مركزة عينيها أوى على ابنها الصغير اللى جوة المية
شوية مية يقربوا منه، تقوم واقفة منطورة .. تبعد المية عنه، تتنهد و تقعد
يتكعبل فى الرملة -عادى ما هو صغيور أوى- تقوم تجرى عليه هوا
هى كدة الأم، دايماً خايفة على ابنها من أى حاجة و كل حاجة
صغر كبر عجز .. مهما كان، برضه بتفضل قلقانة و فى الأغلب بيبقى بزيادة
زوج و زوجة .. فى الأربعينات .. فى الخمسينات .. يعنى علامات التعب و الإجهاد على وشهم
جايين نفسهم فى راحة بجد
راحة من مشاكل الأولاد اللى ما بتخلصش
راحة من زحمة الشغل و مشاحاناته اللى ما بتقفش
نفسهم فى لحظة هدوء بقة، لحظة يقعدوا فيها مع نفسهم و بس
لحظة يبعدوا فيها عن كل حاجة بتجيب دوشة و وجع دماغ
لحظة رومانسية مفتقدينها عشان تاهت فى سط زحمة كل يوم
عارفين أنهم هوا هيرجعوا للى كانوا فيه، فلازم يستمتعوا بكل لحظة بتعدى
شاب و شابة بيتمشوا عالرملة.. شكلهم عرسان جداد .. شكلهم جميل أوى
أقعدت أتفرج على الخطوات اللى بيسيبوها وراهم على الرملة ..خطوات جنب بعضها بالظبط، كأنها مرسومة
يا ترى كل خطواتهم فى حياتهم الجاية هتبقى جنب بعض كدة؟
يا ترى هيفضلوا متمسكين ببعض طول العمر؟ هيعرفوا يحافظوا على بعض؟
هيخافوا على بعض؟هيقدر يسعدها؟ هتقدر تسعده؟
مجموعة شباب بيلعبوا راكت .. أكيد كل واحد فيهم له حكاية
يمكن دة يكون بيدور على شغل
و دة نفسه يخلص دراسته بقة
و دة ... مممم ... كان نفسه يرتبط بالإنسانة اللى اختارها، بس النصيب
لكن دة اختارها بس بيدور على شقة يتجوز فيها
أما دة، فعايز يسيب البلد و يهاجر
و دة نفسه يكون مشهور، فنّه يوصل لكل الناس
رجل قاعد بصنارته يصطاد .. بقاله كتير مستنى حاجة تتطلع .. و أه .. فيه حاجة طلعت .. ممممم .. طلعت حاجة عجيبة كدة .. اتنهد و أخد نفس عميق ملاه بالصبر من تانى ..
رمى صنارته تانى .. و شوية و طلعتله سمكة معقولة .. أكيد لسة الجاى كتير ..
بصيت للصنارة نفسها .. يمكن تكون حاجة بسيطة .. حديد و خيط، بس إيه ..
بالنسبة لواحد، هى مجرد حاجة بتسليه، بيشبع بيها هوايته
و بالنسبة لواحد تانى، هى مصدر رزقه الأساسى لكل يوم
يعنى واحد هيروح يقول لأصحابه، ماليش حظ النهاردة
و واحد هيقول لأهل بيته معلش مش هناكل حاجة النهاردة
و الأطفال اللى زى العفاريت ..يبنوا بيت الرمل من هنا .. و تقوم جاية الموجة من هنا .. و يضيّع نص إللى اتبنا .. ينزلوا ضحك و كركرة .. و ينزلوا لعب فى الرمل الغرقان و يكملوا هد النص الباقى
ينزلوا سوا المية .. و ها .. موجة شديدة و عالية تيجى و أووووه...هاتك يا صريخ
و واحد يزق التانى فى المية .. يقوم دة معيط و واحد تانى يرش مية على أخوه .. يقوم متغاظ منه و رشه بالرملةيااااااااااااااه .. مهرجان لوحديهم .. دنيا تانية ..
اتنين ستات بيشاركوا وحدتهم سوا .. بعد ما رحل الزوج الونيس .. و انشغل الأولاد و الأحفاد
ماشيين رايح جاى رايح جاى .. نازلين رغىّ رغىّ .. تحسهم مليانين نشاط
رجل و ست عواجيز .. كل واحد فيهم عمَال يعزم على التانى مين اللى المية تلمس رجليه الأول، بيزقوا بعض زى الأطفال
يلفت انتباهك إيديهم اللى فى إيد بعض .. تحس إيديهم سوا كأنها إيد واحدة، زى ما تكون صوابعهم بتعزف أنغام لقصة كفاح طويلة بحلوها و مرها، عمر قضوه سوا و ما بقوش خلاص يقدروا يستغنوا عن بعض، بالذات فى سنهم دة، هما محتاجين بعض دلوقتى أكتر من أى وقت فات
بنت قاعدة لوحدها على صخرة بعيدة .. أول ما تبص عليها تفتكرها تمثال
عينيها بصة على البحر بس زى ما تكون متجمدة .. جسمها كله ساكن ولا حركة
يا ترى ايه اللى مركزة فيه بالشكل دة؟ يا ترى بتفكر فى إيه؟ فى اللى راح و مش جاى تانى؟ ولا فى اللى راح ويمكن يجى تانى؟ ولا فى اللى لسه هيجى أصلاً؟
و اتحرك التمثال و قدرت أبص على وشها و انطباعاته .. هممممممم ..شوية ابتسامة هادية .. و شوية امتعاضة غريبة .. و بعدين .. دمعة نازلة براحة على خدها .. حسيتها نازلة على خدى أنا .. حسيت كأن أنا اللى بابكى مش هى .. لولا ان البنت ما تعرفشى إنى بصّة عليها كنت زمانى قومت روحتلها و أخدتها فى حضنى كنت قولتيلها فضفضيلى و ابكى على صدرى، اصرخى لو عايزة .. أنا سمعاكى، أنا حاسة بيكى، وقفت عصفورة جنبها على الصخرة .. اتخضت منها فى الأول و بعدين ابتسامة جميلة نورت وشها
مسحت دموعها و فضلت تبص عليها .. بس طارت العصفورة علطول و فضلت عيون البنت بتطير معاها
هو: انا ليه كل ما أولّع سيجارة بتبعدى عنى؟
هى: علشان بتخنق من ريحتها و ما باقدرش أقولك اطفيها
هو: طب انتى عارفة ان دى طريقة كويسة انى ابطلّها؟
هى: ازاى بقة؟
هو: علشان كل ما هاجى أولّع سيجارة، هافتكر انك هتبعدى عنى، فمش هولّعها أساساً
قد لا أكون فى قمة سعادتى و انا أشاركك مشاهدة جميع موديلات الموبيل و ال مبثرى بلاير و فيش الكهرباء و أدوات الطلاء، وقد لا تكون فى قمة سعادتك و انت تشاركنى مشاهدة الشموع ذو الرائحة و الورود المجففة و انواع الجبن و علب الصلصة و البطاطس المجمدة
ليست القضية من أهم، فلكل شئ أهمية و حاجة
فى السوبر ماركت، اختلاف الشوبنج لا يفسد للود قضية، لنكن فى قمة سعادتنا لأننا معاً
أحياناً لا أستطيع أن أمنع دموعى من الفرار أمامك، أحاول أن أجد طريقة لأمنعها من السقوط ، أغلق عيناى للحظة، أو أشد جفونى على آخرها، أو أحاول التفكير فى أى شئ جاد، و لكنها تسقط رغماً عنى.
أشيح بوجهى فى إتجاه آخر غير عينيك، إلى أن أتمكن من مسح ما جرى منها، و أرجع لوجهك باسمة و كأن لم يكن.
و لكن كم اتـمنى أن تكون قد لاحظتنى، كم أتمنى أن تمدد صوابعك الرشيقة على وجنتى وتغمرنى بنظرة حانية.
و يتحول التمنى لعتاب داخلى، كيف لم تلمح ما حدث؟؟ كيف لم تشعر بأنى مسحت دموعى؟؟
فأعاتبك..
كيف لى أن أعاتبك أنك لا تلاحظ دموعى و أنا أتعمد إخفاؤها عنك؟
فى قصة قنديل أم هاشم، اعترض البطل على استخدام زيت يتبارك به أهله لعلاج عيون قريبته، اعترض على أسلوب العلاج و على أسلوب التفكير.
مع الأيام تطور الطب و تطورت أساليب العلاج، و أصبح العلاج بالزيت هو قمة التخلف و الجهل.
----------------------------------------------------
يحكى لى صديق يسكن قريباً من مستشفى الدمرداش أنه يراهم كثيراً ينقلون المريض من مستشفى الدمرداش إلى كلية الطب (فى نفس الشارع) فى الهواء الطلق على نقالة أو سرير المريض الخاص بكل أكياسه و أسلاكه و أنفاسه .
-----------------------------------------------------
منذ حوالى سنة، أعلن وزير الصحة لأول مرة حالة الطوارئ فى المستشفيات لمرض إنفلونزا الطيور، لم تكن مصر أصابتها اى اعراض بعد.
حينها سألت طبيب ذو خبرة: بما أنكم فى حالة طوارئ، ما هى أعراض هذا المرض؟
رد: لاأعرف، و كل زملائى الأطباء فى التخصصات المختلفة ليس عندهم معلومات كافية عنه، نحن فى انتظار معلومات من الوزارة.
-----------------------------------------------------
تم صرف الملايين من الجنيهات لتجديد و تطوير المستشفيات التعليمية التابعة لوزارة الصحة.
على لسان إحدى الطبيبات العاملات فى إحدى تلك المستشفيات: واجهة المستشفى أصبحت بالرخام اللامع و أرضياته بالسيراميك الفاخر، عند دخولك تشعر بالأبهة و الفخامة كأنك فى فندق، و لكن عند علاج المرضى لا نجد سرنجة ولا قطعة قطن بالرغم من رخص ثمنهم، و نطلب من أهل المريض أن يشتروا من أى صيدلية خارجية ثم الرجوع إلى المستشفى مرة أخرى، و بالطبع هم لا يملكون شراء أى شئ مهما رخُص ثمنه.
من أولى؟ الرخام اللامع أم القطن و السرنجات؟
-----------------------------------------------------
رفضت مستشفى استقبال طفل عمره عام لإصابته بحمى شوكية، و رفضت سيارة الإسعاف نقل الطفل لمستشفى الحميات خوفاً من إنتقال العدوى للعربة (نظراً لغياب أساليب التعقيم). طلبوا من مستشفى الحميات أن تبعث لهم واحدة فرفضت .. مات الطفل و هم يتجادلون.
-----------------------------------------------------
فى عيادة خاصة لطبيب شهير - حدث بالفعل:
الطبيب: هى دى الروشتة .. إتفضل
المريض: بس أنا ما أقدرش أجيب الأدوية دى يا دكتور
الطبيب: أُمَال إنت جاى ليه؟ اللى ما يقدرش على علاج فلان الفلانى -الإسم الثنائى للدكتور- ما يجيلهوش
هذه الواقعه حدثت بالفعل فى عيادة وزير صحة سابق
------------------------------------------------------
أضرب مجموعة من أطباء مستشفى الزقازيق عن الطعام احتجاجا على الفساد، لكن من استمع إليهم؟
----------------------------------------------------
يعمل كثير من طلبة الإمتياز إمًا مندوبين مبيعات لشركات الأدوية أو فى صيدليات أو مساعدين أطباء فى عيادات خاصة.
-------------------------------------------------------
يُلح مندوبين مبيعات شركات الأدوية على الأطباء لكتابة الأدوية ذو الأسعار العالية على الروشتات؟ لا يهم ان كان الدواء يفيد المريض أم لا، لا يهم ان كان فى استطاعة المواطن المصرى العادى أم لا.
المهم هو الأدوية المجانية و الدعوات للمؤتمرات الطبية طبعاً.
------------------------------------------------------
يحكى لنا طبيب الامتياز حكايات و حكايات
------------------------------------------------------
اقرأ تقرير لجنة تقصي الحقائق عن حريق مسرح ثقافة بني سويف و تدمع عيناى للحال الذى وصلت إليه كرامة الإنسان فى بلدى. أحمد الله أنه تم أخيراً إصدار أحكام السجن على المتسببين فى الكارثة.
-----------------------------------------------------
يكتب لنا مينا من وحدة العناية المركّزة
------------------------------------------------------
اقرأ لبلوجرز أطباء: مصطفى، مينا، سقراط، مصرية، بلو روز و آخرون
أتمنى أن يكونوا خطوة للتغيير، و أتمنى أنى عندما أمرض، أن أكون فى أيديهم التى استأمنها.
-----------------------------------------------------
كل ما أشعر به انه لا فرق بين حالنا الآن و حالنا أيام قنديل أم هاشم
"People should not be afraid of their governments. Governments should be afraid of their people. -V
مش المفروض إن الشعوب تخاف من حكوماتها، الحكومات هية اللى مفروض تخاف من شعوبها.
كل مشهد من مشاهد الفيلم فيه كلام تحسه موجَه للمصريين جداً و بيعبر عن حالهم و حال حياتهم.
الشعب اللى فى الفيلم صحى على الآخر، يا ترى شعبنا هيصحى امتى؟
لم أفهم أبداً السر وراء صُدفة إتصالك بى كلما أعددت فنجان شاى، و لم أرد أن أفهم، لأنى أريدها أن تكون كل مرة صدفة.
اليوم اشتقت إلى سماع صوتك، فأعددت فنجان شاى، و لكنك لم تتصل.
أعددت فنجان آخر و أضفت إليه نعناع، و لكنك لم تتصل.
أعددت فنجان ثالث و غمست فيه عود قرنفل، و لكنك لم تتصل.
طيلة رشفى كل القطرات، عيناى على هاتفى، لكنه لم ينطق بإسمك.
ألم تصِلَك رائحة الشاى بعد؟ ألم تصِلَك رائحة إشتياقى إليك؟
أيها الرجل، لست وحدك من يعيش فى كهف، فأنا كامرأة لى كهفى الخاص
فمثلما لا تريدنى أن اسألك ما بك، احترم صمتى و دعنى و شأنى
و مثلما تريد أن تحل مشاكلك بنفسك، لا أحتاج مساعدتك فى حل أمورى أنا أيضاً
و ما دمت استطعت أن تبتعد عنى ليومين، فأنا أيضاً أقدر على البعد عنك بإرادتى
يزداد الجو برودة من حولى، أتحسس أطراف أصابعى لأدفئهم، تمتد محاولاتى للتدفئة إلى كفاى، أجد أن شيئاً ما ناقص .. أين خاتمى؟!!
أحاول تذكر كيف حدث هذا، ليس من طبيعتى فقدان أشيائى، و لم أتعود أن أخلع خواتمى من أصابعى قبل أن أصل إلى غرفتى. أعتصر ذاكرتى و لكنى لا أستطيع التذكر للأسف.
بعد يومين أتذكر فجأة و أسترجع الأحداث، نعم خلعته و أنا جالسة فى سيارة صديقتى، أبحث فى سيارتها و لا أجده، إذن فقد سقط أثناء نزولى.
أذهب إلى المكان الذى نزلت فيه، شارع ملئ بالسيارات القادمة و الذاهبة، أُحنى جسدى و أقترب من الأرض لأبحث عنه، تتوه عيناى ما بين ذرات التراب و العتمة و المسافات الضيقة ما بين السيارات الراكنة و الرصيف.
يسألنى المنادى: "فيه حاجة ضاعت منك يا آنسة؟"
أجاوبه بالنفى، ضائقة بسؤاله التطفلى، مع إنى أعلم انه يريد المساعدة فقط لا غير.
أتابع فحص الأرض بحنين شديد أن أرى خاتمى و أتوقف فجأة، ماذا تفعلين يا مجنونة؟
لا أدرى فعلاً ما الذى أفعله؟ ماذا أنتظر؟ خاتم صغير مُلقى منذ يومين على أرضية شارع واسع ملئ بالسيارات السريعة، مستحيل أن أجده!
نعم إنه خاتم عادى، ليس من الذهب و لا حتى من الفضة، و لم يهده لى شخص عزيز، و لم أكتب اسم حبيبى عليه، لكنه خاتمى، خاتمى ذو الوردة الحمراء.
الدموع اتخلقت علشان تخرج من العين، و احنا أوقات كتير بنعاند الطبيعة و بنحبس دموعنا جوانا، تتجمد و تتحجر، و بنعمل قواعد عجيبة اسمها ضعف و قوة لتبرير تصرفاتنا و أفكارنا
هو: يا ابنى عيب كدة، خليك رجل، الرجّالة ما بتعيّطش
هى: أنا مش قوية زى ما انتم فاكرين، انا ما أقدرش أبكى قدام الناس بس، لكن أول ما أقفل علية باب أوضتى، بأبكى براحتى
هو: أنا مش فاهم ليه ان دمعة تنزل من عينى دة يقلل من شأنى؟
هى: عنية وارمة كدة لية؟ آه معلش، أصلى كنت بعيّط طول الليل
هو: تعرفى ان انتى بتبقى جميلة أوى و انتى بتبكى؟
هى: للأسف ما بعرفش أمسك دموعى، بيفضحونى علطول فى أى موقف صغير اتأثر بيه
هو: خلى بالك، الست ممكن تستغل دموعها كويس أوى و تأثر عليك باللى هية عايزاه منك، فما تتأثرش بسرعة كدة و تستسلم
هى: نفسى أتجوز واحد حنين، لما أعيّط ما يقوليش كفاية و اجمدى شوية و الكلام دة، لكن ياخدنى فى حضنه و يطبطب علية و يقولى عيّطى كمان و كمان
هو: إحساس الوحدة دة حاجة تتضايق أوى يا أخى
هو: يا سيدى أمّا تحس كدة كلمنى و ننزل نقعد على أى قهوة
هى: أنا ببقى متضايقة أوى لمّا أحس إنى وحيدة
هى: لو جالك الإحساس دة، شغّلى أُغنية إنتى بتحبيها و اتخيلى إن كلامها بيتغنالك انتى مخصوص
ألمح وجه في الزحام، وجه أول ما وقعت عيناى عليه تذكرته، وجه صديقتى القديمة، أنتفض من مكانى برعشة عنيفة و أقف فى مكانى مُتسمرة.
تتحرك عيناي ببطء شديد مع كل خطوة تخطوها، لا استطيع أن أقرر هل أجرى عليها أم أتجاهل أنى رأيتها، فعلاقتنا انتهت من فترة طويلة، و للأسف لم تكن نهاية سعيدة.
كنا أصدقاء، لم نعتبرها علاقة حميمة و لكنها نوع من أنواع الصداقة، تسربت المشاكل بيننا حتى وصلت إلى حد لا يمكن معه إبقاء صداقتنا، افترقنا و مرت أيام و أيام.
كنت من حين لآخر أتذكر وجهها الطفولى و أتذكر مواقفنا سوياً، لا أفكر فى العودة و لكن أريد أن أعرف أخبارها، أطمئن عليها، ماذا فعلت بها الحياة؟ و ماذا فعلت هى بالحياة؟
كل تلك الكلمات تملأ عقلى و ما زالت عيناى تتعلق بخطواتها، و ما زال قلبى يملؤه التردد، و يبدأ فى الدق بسرعة شديدة، ماذا أفعل؟
حنينى يطلب منى أن أجري عليها، و لكن كبريائي يمنعني، أفكار و مشاعر و صراع فى ثوانى تجرى بنفس سرعة خطواتها أمامى.
لا أدرى ما القرار الذى اتخذته و لكنى وجدت نفسى أقترب منها سريعاً و أناديها بصوت عالى، تُدير وجهها إليّ بإستغراب، و أقف مذهولة معتذرة: "أنا آسفة..افتكرتك حد أعرفه"